وبالضرورة ندري أنّ من كان تمييزه أتم كان اهتداؤه واعتصامه أتم على أصولهم ، وهذا هو المحاباة التي أنكروها ، وسمّوها ظلما وجورا.
قال أبو محمد : ومهما أمكنهم من الدّفاع والقحة في شيء ما ـ فإنه لا يمكنهم اعتراض أصلا في أن فضل الله تعالى على المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام ، وعلى يحيى بن زكريا ، إذ جعل عيسى نبيّا ناطقا عاقلا في المهد رسولا حين سقوطه من بطن أمه ، وإذ أتى يحيى الحكم صبيا ، أتمّ وأعلى وأكثر من فضله على من ولد في أقاصي بلاد الخزّ والزّنج حيث لم يسمع قط ذكر محمد صلىاللهعليهوسلم إلّا متبعا أقبح الذكر من التكذيب ، وأنه كان متخيّلا ، وأكثر من فضله بلا شك على فرعون إذ دعا موسى عليه الصلاة والسلام فقال : (رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما) [سورة يونس : ٨٨ ، ٨٩].
قال أبو محمد : إنّ من ضلّ بعد هذا لضالّ ، وإنّ من قال : إنّ فضل الله عزوجل وعطاءه لموسى ، وعيسى ، ويحيى ومحمد صلىاللهعليهوسلم ، وعصمته لهم كفضلة ، وعطاءه على فرعون وملئه ، وعصمته لهم ، الذين نصّ عزوجل على أنه شدّ على قلوبهم شدّا منعهم الإيمان حتى يروا العذاب الأليم ، فلا ينفعهم إيمانهم حينئذ لضعيف العقل ، قليل العلم ، مهلهل اليقين. ولا بيان أبين من هذه الآية في تفضيل الله عزوجل بعض خلقه على بعض ، واختصاص بعضهم بالهدى والرحمة دون بعض ، ومحاباته من شاء منهم ، وإضلاله من ضلّ منهم.
وأيضا : فإنهم لا يستطيعون أن ينكروا أنّ الله عزوجل فضّل بني آدم على كثير ممن خلق قال تعالى : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) [سورة البقرة آية رقم ٢٥٣].
وقال تعالى : (وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ) [سورة الإسراء آية رقم ٥٥].
وقال تعالى : (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً) [سورة الإسراء آية رقم ٧٠].
وهي المحاباة التي هي عند المعتزلة جور وظلم.
فيقال لهم ، على أصلكم الفاسد : هلّا رزق الله العقل سائر الحيوان فيعرضهم بذلك للمراتب السنية التي عرض لها بني آدم؟ وهلّا ساوى بين الحيوان وبيننا في ألّا
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٢ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3657_alfasl-fi-almilal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
