رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنهم حينئذ يصيرون إلى الجنة. فصحّ أنّ الملاذ من هذه الأشياء المتناولات تصل إلى النفوس هنالك على حسب اختلاف وجود النفس لها ، وتغاير أنواع التذاذها بها ، وأوقعت عليها الأسماء لإفهامنا المعنى المراد.
وقد روينا عن ابن عباس ما حدّثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ، حدثنا قاسم ابن أصبغ ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي ، حدّثنا وكيع بن الجرّاح ، حدثنا الأعمش ، عن أبي ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : ليس في الجنة ممّا في الدنيا إلا الأسماء. وهذا سند في غاية الصحة ، وهو أول حديث في قصة وكيع المشهورة.
قال أبو محمد : وأما الوطء فهو هنالك كما هو عندنا هاهنا إلّا أنه ليس فيه مئونة ولا استحالة ، وإنما هو التذاذ للنفس بمداخلة بعض الجسد المضاف إليها لجسد آخر فقط.
وأمّا الجواب الثالث الإقناعي ، وهو موافق لأصولهم ، ولسنا نعتمد عليه : فهو أنّ قدماء الهند قد ذكروا في كلامهم في الأفلاك والبروج ووجوه المطالع أنه يطلع مع كل وجه من وجوه البروج صور وصفوها ، وذكروا أنه ليس في هذا العالم صورة إلّا وهي في العالم الأعلى (١).
قال أبو محمد : وهذا إيجاب منهم أنّ هنالك ملابس ومشارب ومطاعم ووطئا ، وأنهارا وأشجارا ، وغير ذلك.
قال أبو محمد : وعارضني يوما نصراني كان قاضيا على نصارى قرطبة في هذا وكان يتكرّر على مجلسي فقلت له : أوليس فيما عندكم من الإنجيل أنّ المسيح صلىاللهعليهوسلم قال لتلاميذه ليلة أكل معهم الفصح ، وفيها أخذ بزعمكم ، وقد سقاهم كأسا من خمر وقال : «إنّي لا أشربها معكم أبدا حتى تشربوها معي في الملكوت عن يمين الله تعالى».
وقال في قصة الفقير المسمّى «العازار» الذي كان مطرحا على باب الغنيّ
__________________
سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار ، فيتقاصّون مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا نقوا وهذّبوا أذن لهم بدخول الجنة ، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدلّ بمنزله كان في الدنيا».
(١) هذه نظرية أفلاطون في عالم المثل.
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ١ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3571_alfasl-fi-almilal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
