الزّجّاج : المعنى عندي : أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله بأنهم لا يؤمنون ، لأنه لو شاء لهدى الناس جميعا.
قوله تعالى : (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فيهم قولان : أحدهما : أنهم جميع الكفّار ، قاله ابن السّائب. والثاني : كفار مكّة ، قاله مقاتل. فأمّا القارعة ، فقال الزّجّاج : هي في اللغة : النّازلة الشديدة تنزل بأمر عظيم. وفي المراد بها ها هنا قولان : أحدهما : أنها عذاب من السماء ، رواه العوفيّ عن ابن عباس. والثاني : السّرايا والطّلائع التي كان ينفذها رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، قاله عكرمة (١). وفي قوله : (أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ) قولان : أحدهما : أنه رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فالمعنى : أو تحلّ أنت يا محمّد ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وعكرمة ، وقتادة. والثاني : أنها القارعة ، قاله الحسن. وفي قوله : (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ) قولان : أحدهما : فتح مكّة ، قاله ابن عباس ، ومقاتل. والثاني : القيامة ، قاله الحسن.
(أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣))
قوله تعالى : (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) يعني : نفسه عزوجل. ومعنى القيام ها هنا : التّولّي لأمور خلقه ، والتّدبير لأرزاقهم وآجالهم ، وإحصاء أعمالهم للجزاء ، والمعنى : أفمن هو مجازي كلّ نفس بما كسبت ، يثيبها إذا أحسنت ، ويأخذها بما جنت ، كمن ليس بهذه الصّفة من الأصنام؟ قال الفرّاء : فترك جوابه ، لأنّ المعنى معلوم ، وقد بيّنه بعد هذا بقوله : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ) كأنه قيل : كشركائهم. قوله تعالى : (قُلْ سَمُّوهُمْ) أي : بما يستحقّونه من الصّفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله كما يسمّى الله بالخالق ، والرّزاق ، والمحيي ، والمميت ، ولو سمّوهم بشيء من هذا لكذبوا. قوله تعالى : (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ) هذا استفهام منقطع ممّا قبله ، والمعنى : فإن سمّوهم بصفات الله ، فقل لهم : أتنبئونه ، أي : أتخبرونه بشريك له في الأرض وهو لا يعلم لنفسه شريكا ، ولو كان لعلمه؟
قوله تعالى : (أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أم بظنّ من القول ، قاله مجاهد. والثاني : بباطل ، قاله قتادة. والثالث : بكلام لا أصل له ولا حقيقة. قوله تعالى : (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ) قال ابن عباس : زيّن لهم الشيطان الكفر. قوله تعالى : (وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : «وصدّوا» بفتح الصّاد ، ومثله في (حم المؤمن). وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائيّ : «وصدّوا» بالضمّ فيهما. فمن فتح ، أراد : صدّوا المسلمين ، إمّا عن الإيمان ، أو عن البيت الحرام. ومن ضمّ ، أراد : صدّهم الله عن سبيل الهدى.
(لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٣٤))
__________________
(١) قال الطبري رحمهالله ٧ / ٣٨٩ : القارعة هي : ما يقرعهم من البلاء والعذاب والنّقم ، بالقتل أحيانا ، وبالحروب أحيانا ، والقحط أحيانا.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
