قوله تعالى : (وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ) أي : ويخلق السّحاب الثّقال بالماء. قال الفرّاء : السّحاب ، وإن كان لفظه واحدا ، فإنه جمع واحدته سحابة ، جعل نعته على الجمع ، كما قال (مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ) (١) ولم يقل : أخضر ، ولا حسن.
(وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣))
قوله تعالى : (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) فيه قولان : أحدهما : أنه اسم الملك الذي يزجر السّحاب ، وصوته : تسبيحه ، قاله مقاتل. والثاني : أنه الصّوت المسموع. وإنما خصّ الرّعد بالتّسبيح ، لأنه من أعظم الأصوات. قال ابن الأنباري : وإخباره عن الصّوت بالتّسبيح مجاز ، كما يقول القائل : قد غمّني كلامك. قوله تعالى : (وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) في هاء الكناية قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى الله عزوجل ، وهو الأظهر. قال ابن عباس : يخافون الله ، وليس كخوف ابن آدم ، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره ، ولا يشغله عن عبادة الله شيء. والثاني : أنها ترجع إلى الرّعد ، ذكره الماوردي. قوله تعالى : (وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ) ، اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال :
(٨٢٤) أحدها : أنها نزلت في أربد بن قيس ، وعامر بن الطّفيل ، أتيا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم يريدان الفتك به ، فقال : «اللهمّ اكفنيهما بما شئت» ، فأمّا أربد فأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته ، وأما عامر فأصابته غدّة فهلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، هذا قول الأكثرين ، منهم ابن جريج ، وأربد هو أخو لبيد بن ربيعة لأمّه.
(٨٢٥) والثاني : أنها نزلت في رجل جاء إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : حدّثني يا محمّد عن إلهك ، أياقوت هو؟ أذهب هو؟ فنزلت على السّائل صاعقة فأحرقته ، ونزلت هذه الآية ، قاله عليّ بن أبي طالب عليهالسلام. قال مجاهد : وكان يهوديّا.
(٨٢٦) وقال أنس بن مالك : بعث رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى بعض فراعنة العرب يدعوه إلى الله تعالى ،
____________________________________
(٨٢٤) أخرجه الطبراني ١٠٧٦٠ ، وفي «الطوال» ٣٧ من حديث ابن عباس. وقال الهيثمي في «المجمع» ١١٠٩١ : في إسنادهما عبد العزيز بن عمران ، وهو ضعيف. وذكره الواحدي في الأسباب ٥٤٧ بقوله : قال ابن عباس في رواية أبي صالح وهو واه ، وابن جريج ، وابن زيد ، فساقه بلا سند. وأثر ابن جريج أسنده الطبري ٢٠٢٧٢ عنه وهو معضل .. وانظر «تفسير ابن كثير» ٢ / ٦٢٤.
(٨٢٥) أخرجه الطبري ٢٠٢٦٩ من حديث علي ، وإسناده واه ، فيه سيف ابن أخت سفيان الثوري ، متروك الحديث.
وله شاهد من مرسل مجاهد ، أخرجه الطبري ٢٠٢٦٧ ، ومع إرساله فيه ليث ، وهو ضعيف. وانظر ما بعده.
(٨٢٦) جيد. أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» ١ / ٣٠٤ ، والبزار ٢٢٢١ ، وأبو يعلى ٣٣٤١ و ٣٣٤٢ من رواية ديلم بن غزوان عن ثابت عن أنس مطوّلا ، ورجال البزار وأبي يعلى في الرواية الأولى ثقات. وقال الهيثمي في «المجمع» ٧ / ٤٢ : ورجال البزار رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان ، وهو ثقة ، وفي رجال أبي يعلى والطبراني علي بن أبي سارة ، وهو ضعيف اه. وأخرجه أبو يعلى ٣٣٤٢ و ٣٤٦٨ ، والواحدي ٥٤٦ ،
__________________
(١) سورة الرحمن : ٧٦.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
