وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧) اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩))
قوله تعالى : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها نزلت في كفّار مكّة ، سألوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن يأتيهم بالعذاب ، استهزاء منهم بذلك ، قاله ابن عباس (١). والثاني : في مشركي العرب ، قاله قتادة. والثالث : في النضر بن الحارث حين قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ، قاله مقاتل.
وفي السيئة والحسنة قولان : أحدهما : بالعذاب قبل العافية ، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني : بالشر قبل الخير ، قاله قتادة.
فأما (الْمَثُلاتُ) فقرأ الجمهور بفتح الميم. وقرأ عثمان ، وأبو رزين ، وأبو مجلز ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، والحسن ، وابن أبي عبلة برفع الميم. ثم في معناها قولان : أحدهما : أنها العقوبات ، قاله ابن عباس. وقال الزّجّاج : المعنى : قد تقدّم من العذاب ما هو مثله وما فيه نكال ، لو أنهم اتّعظوا. وقال ابن الأنباري : المثلة : العقوبة التي تبقي في المعاقب شينا بتغيير بعض خلقه ، من قولهم : مثّل فلان بفلان ، إذا شأن خلقه بقطع أنفه أو أذنه ، أو سمل عينيه ونحو ذلك. والثاني : أنّ المثلات : الأمثال التي ضربها الله تعالى لهم ، قاله مجاهد ، وأبو عبيدة.
قوله تعالى : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) قال ابن عباس : لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا ، وإنه لشديد العقاب للمصرّين على الشّرك. وقال مقاتل : لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب ، وإنه لشديد العقاب إذا عذّب.
فصل : وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ هذه الآية منسوخة بقوله : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) (٢) ، والمحقّقون على أنها محكمة.
قوله تعالى : (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) «لو لا» بمعنى هلّا ، والآية التي طلبوها ، مثل عصا موسى وناقة صالح. ولم يقنعوا بما رأوا ، فقال الله تعالى : (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ) أي : مخوف عذاب الله ، وليس لك من الآيات شيء.
وفي قوله تعالى : (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) ستة أقوال (٣) : أحدها : أنّ المراد بالهادي : الله عزوجل ،
__________________
(١) قال ابن كثير رحمهالله ٢ / ٦١٧ : كانوا يطلبون من الرسول أن يأتيهم بعذاب الله ، وذلك من شدة تكذيبهم وكفرهم وعنادهم. وقال الإمام الطبري رحمهالله ٧ / ٣٤١ كذلك. وقال الشوكاني في «فتح القدير» ٣ / ٨١ : وهذا الاستعجال من هؤلاء هو على طريقة الاستهزاء ، كقولهم : (اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ).
(٢) سورة النساء : ٤٨.
(٣) قال الإمام الطبري رحمهالله ٧ / ٢٢٨ : وقد بينت معنى «الهداية» ، وأنه الإمام المتبع الذي يقدم القوم ، فإذا كان كذلك ، فجائز أن يكون ذلك هو الله يهدي خلقه ، ويتبع خلقه هداه ، ويأتمون بأمره ونهيه. وجائز أن يكون نبي الله الذي تأتم به أمته ، وجائز أن يكون إماما من الأئمة يؤتمّ به ، ويتبع منهاجه وطريقته أصحابه ، وجائز أن يكون داعيا من الدعاة إلى خير أو شر ، وإن كان ذلك كذلك ، فلا قول أولى في ذلك بالصواب من أن يقال كما قال جل ثناؤه : إن محمدا هو المنذر لمن أرسل إليه بالإنذار ، وأن لكل قوم هاديا يهديهم فيتبعونه ويأتمون به.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
