أمر يعقوب وولده وشأن يوسف ، فأنزل الله عزوجل : (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) وذلك أنّ التّوراة بالعبرانيّة ، والإنجيل بالسّريانيّة ، وأنتم قوم عرب ، ولو أنزلته بغير العربية ما فهمتموه. وقد بيّنّا تفسير أول هذه السورة في أول سورة يونس ، إلّا أنه قد ذكر ابن الأنباري زيادة وجه في هذه السّورة ، فقال : لمّا لحق أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ملل وسآمة ، فقالوا له : حدّثنا بما يزيل عنّا هذا الملل ، فقال : تلك الأحاديث التي تقدّرون الانتفاع بها وانصراف الملل ، هي آيات الكتاب المبين.
وفي معنى «المبين» خمسة أقوال : أحدها : البيّن حلاله وحرامه ، قاله ابن عباس ، ومجاهد. والثاني : المبيّن للحروف التي تسقط عن ألسن الأعاجم ، رواه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل. والثالث : البيّن هداه ورشده ، قاله قتادة. والرابع : المبيّن للحقّ من الباطل. والخامس : البيّن إعجازه فلا يعارض ، ذكرهما الماوردي (١).
(إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢))
قوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ) في هاء الكناية قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى الكتاب ، قاله الجمهور. والثاني : إلى خبر يوسف ، ذكره الزّجّاج ، وابن القاسم.
قوله تعالى : (قُرْآناً عَرَبِيًّا) قد ذكرنا معنى القرآن واشتقاقه في سورة النساء (٢). وقد اختلف الناس ، هل في القرآن شيء بغير العربية ، أم لا ، فمذهب أصحابنا أنه ليس فيه شيء بغير العربية. وقال أبو عبيدة. من زعم أنّ في القرآن لسانا سوى العربية فقد أعظم على الله القول ، واحتجّ بقوله : (إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) (٣). وروي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة أنّ فيه من غير لسان العرب ، مثل : «سجّيل» و «المشكاة» و «اليمّ» و «الطّور» و «أباريق» و «إستبرق» وغير ذلك. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال : قال أبو عبيد : وهؤلاء أعلم من أبي عبيدة ، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب ، وذهب هو إلى غيره ، وكلاهما مصيب إن شاء الله ، وذلك أنّ هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل ، فقال : أولئك على الأصل ، ثم لفظت به العرب بألسنتها فعرّبته فصار عربيا بتعريبها إيّاه ، فهي عربية في هذه الحالة ، أعجميّة الأصل ، فهذا القول يصدّق الفريقين جميعا. قوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) قال ابن عباس : لكي تفهموا.
(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣))
قوله تعالى : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) قد ذكرنا سبب نزولها في أوّل الكلام. وقد خصّت بسبب آخر (٤) : فروي عن سعيد بن جبير قال : اجتمع أصحاب محمّد عليهالسلام إلى سلمان ، فقالوا :
__________________
الحديث منه ، فإن السورة مكية بإجماع كما ذكر المصنف ، وسؤالات اليهود إنما كانت في المدينة ، فتنبّه ، والله الموفّق.
__________________
(١) انظر «تفسير الماوردي» ٣ / ٥.
(٢) عند الآية : ٨٢.
(٣) سورة الزخرف : ٣.
(٤) لا يصح ذلك ، بل هو باطل ، فإن السورة مكية كما تقدم بإجماع ، وإسلام سلمان مدني.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
