لوط ، فأتوها عشاء. وقال السّدّيّ عن أشياخه : أتوها نصف النّهار ، فلمّا بلغوا نهر سدوم لقوا بنت لوط تستقي الماء لأهلها ، فقالوا لها : يا جارية ، هل من منزل؟ قالت : نعم ، مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم ، فرقا عليهم من قومها ؛ فأتت أباها ، فقالت : يا أبتاه ، أدرك فتيانا على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم ، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم ؛ وقد كان قومه نهوه أن يضيّف رجلا ؛ فجاء بهم ، ولم يعلم بهم أحد إلّا أهل بيت لوط ؛ فخرجت امرأته فأخبرت قومها ، فجاؤوا يهرعون إليه.
قوله تعالى : (سِيءَ بِهِمْ) فيه قولان : أحدهما : ساء ظنّه بقومه ، قاله ابن عباس. والثاني : ساءه مجيء الرّسل ، لأنه لم يعرفهم ، وأشفق عليهم من قومه ، قاله ابن جرير. قال الزّجّاج : وأصل «سيء بهم» سوئ بهم ، من السّوء ، إلّا أنّ الواو أسكنت ونقلت كسرتها إلى السّين.
قوله تعالى : (وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) قال ابن عباس : ضاق ذرعا بأضيافه. قال الفرّاء : الأصل فيه : وضاق ذرعه بهم ، فنقل الفعل عن الذّرع إلى ضمير لوط ، ونصب الذّرع بتحوّل الفعل عنه ، كما قال : (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) (١) ومعناه : اشتعل شيب الرّأس. قال الزّجّاج : يقال : ضاق فلان بأمره ذرعا : إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصا. وذكر ابن الأنباري فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنّ معناه : وقع به مكروه عظيم لا يصل إلى دفعه عن نفسه ؛ فالذّرع كناية عن هذا المعنى. والثاني : أنّ معناه : ضاق صبره وعظم المكروه عليه ؛ وأصله من : ذرع فلانا القيء : إذا غلبه وسبقه. والثالث : أنّ المعنى : ضاق بهم وسعه ، فناب الذّرع والذّراع عن الوسع ، لأنّ الذّراع من اليد ، والعرب تقول : ليس هذا في يدي ، يعنون : ليس هذا في وسعي ؛ ويدلّ على صحة هذا أنهم يجعلون الذّراع في موضع الذّرع ، فيقولون : ضقت بهذا الأمر ذراعا ، قال الشاعر :
إليك إليك ضاق بهم ذراعا
فأما العصيب ، فقال أبو عبيدة : العصيب : الشديد الذي يعصب الناس بالشّرّ ، وأنشد :
|
يوم عصيب يعصب الأبطالا |
|
عصب القويّ السّلم الطّوالا |
وقال أبو عبيد : يقال : يوم عصيب ويوم عصبصب : إذا كان شديدا.
قوله تعالى : (يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) قال ابن عباس ، ومجاهد : «يهرعون» يسرعون. وقال الفرّاء ، والكسائيّ : لا يكون الإهراع إلّا إسراعا مع رعدة. قال ابن قتيبة : الإهراع شبيه بالرّعدة ، يقال : أهرع الرجل : إذا أسرع ، على لفظ ما لم يسمّ فاعله ، كما يقال : أرعد. قال ابن الأنباري : الإهراع فعل واقع بالقوم وهو لهم في المعنى ، كما قالت العرب : قد أولع الرجل بالأمر ، فجعلوه مفعولا ، وهو صاحب الفعل ، ومثله : أرعد زيد ، وسهي عمرو من السّهو ، كلّ واحد من هذه الأفاعيل خرج الاسم معه مقدّرا تقدير المفعول ، وهو صاحب الفعل لا يعرف له فاعل غيره. قال : وقال بعض النّحويين : لا يجوز للفعل أن يجعل فاعله مفعولا ، وهذه الأفعال المذكورة فاعلوها محذوفون ، وتأويل «أولع زيد» : أولعه طبعه وجبلّته ، و «أرعد الرجل» : أرعده غضبه ، و «سهي عمرو» جعله ساهيا ماله أو جهله ، و «أهرع» معناه : أهرعه خوفه ورعبه ؛ فلهذه العلّة خرّج هؤلاء الأسماء مخرج المفعول به. قال : وقال بعض
__________________
(١) سورة مريم : ٤.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
