ومنزل في النّار ، فأمّا الكافر فإنّه يرث المؤمن منزله من النّار ، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنّة» فذلك قوله : (أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). وقال بعضهم : لمّا سمّى الكفار أمواتا بقوله : (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ) (١). وسمّى المؤمنين أحياء بقوله : (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا) (٢) أورث الأحياء الموتى.
والثاني : أنّهم أورثوها عن الأعمال ، لأنّها جعلت جزاء لأعمالهم ، وثوابا عليها ، إذ هي عواقبها ، حكاه أبو سليمان الدّمشقيّ. والثالث : أنّ دخول الجنّة برحمة الله ، واقتسام الدّرجات بالأعمال. فلمّا كان يفسّر نيلها لا عن عوض ، سمّيت ميراثا. والميراث : ما أخذته عن غير عوض. والرابع : أنّ معنى الميراث ها هنا : أنّ أمرهم يؤول إليها كما يؤول الميراث إلى الوارث.
(وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥))
قوله تعالى : (فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا) أي : من العذاب؟ وهذا سؤال تقرير وتعيير. (قالُوا نَعَمْ). قرأ الجمهور بفتح العين في سائر القران ، وكان الكسائيّ يكسرها. قال الأخفش : هما لغتان. قوله تعالى : (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ) أي : نادى مناد. (أَنْ لَعْنَةُ اللهِ) قرأ ابن كثير في رواية قنبل ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم : «أنّ لعنة الله» خفيفة النون ساكنة. وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائيّ : «أنّ» بالتّشديد ، «لعنة الله» بالنّصب. قال الأخفش : و «أن» في قوله : (أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) (٣) وقوله : (أَنْ لَعْنَةُ اللهِ) ، وقوله : (أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) (٤) ، و (أَنْ قَدْ وَجَدْنا) ، هي «أنّ» الثّقيلة خفّفت. قال الشاعر :
|
في فتية كسيوف الهند قد علموا |
|
أن هالك كلّ من يحفى وينتعل (٥) |
وأنشد أيضا :
|
أكاشره وأعلم أن كلانا |
|
على ما ساء صاحبه حريص (٦) |
ومعناه : أنّه كلانا ؛ وتكون «أن قد وجدنا» في معنى : أي : قال ابن عباس : والظّالمون ها هنا : الكافرون.
قوله تعالى : (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي : أذّن المؤذّن أن لعنة الله على الذين كفروا وصدّوا عن
____________________________________
أهل النار يرى مقعده في الجنة فيقول : لو أن الله هداني فيكون عليهم حسرة ، قال : وكل أهل الجنة يرى مقعده في النار فيقول : لو لا أن الله هداني قال : فيكون له شكرا» لفظ أحمد وغيره. أخرجه النسائي في «الكبرى» ١٤٥٤ وأحمد ٢ / ٥١٢ والحاكم ٢ / ٤٣٥ و ٤٣٦ ، والبيهقي في «البعث والنشور» ٢٦٩. وإسناده حسن.
__________________
(١) سورة النحل : ٢١.
(٢) سورة يس : ٧٠.
(٣) سورة الأعراف : ٤٣.
(٤) سورة يونس : ١٠.
(٥) البيت منسوب إلى الأعشى في ديوانه ٥٩. وسيبويه ١ / ٨٢.
(٦) البيت غير منسوب في سيبويه ١ / ٤٤٠. وقوله أكاشره : أضاحكه.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
