(٥٨١) روى أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «يخلص المؤمنون من النار ، فيحبسون على قنطرة بين الجنّة والنار ، حتى إذا هذّبوا ونقّوا ، أذن لهم في دخول الجنّة. فو الّذي نفسي بيده ، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنّة منه بمنزله كان في الدّنيا».
وقال ابن عباس : أوّل ما يدخل أهل الجنّة الجنّة ، تعرض لهم عينان ، فيشربون من إحدى العينين ، فيذهب الله ما في قلوبهم من غلّ وغيره ممّا كان في الدّنيا ، ثمّ يدخلون إلى العين الأخرى ، فيغتسلون منها ، فتشرق ألوانهم ، وتصفو وجوههم ، وتجري عليهم نضرة النّعيم.
فأمّا النّزع ، فهو قلع الشيء من مكانه. والغلّ : الحقد الكامن في الصّدر. وقال ابن قتيبة : الغلّ : الحسد والعداوة.
قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) قال الزّجّاج : معناه : هدانا لما صيّرنا إلى هذا. قال ابن عباس : يعنون ما وصلوا إليه من رضوان الله وكرامته. وروى عاصم بن ضمرة عن عليّ عليهالسلام قال : تستقبلهم الولدان كأنهم لؤلؤ منثور ، فيطوفون بهم كإطافتهم بالحميم جاء من الغيبة ، ويبشّرونهم بما أعدّ الله لهم ، ويذهبون إلى أزواجهم فيبشّرونهنّ ، فيستخفهنّ الفرح ، فيقمن على أسكفّة الباب ، فيقلن : أنت رأيته ، أنت رأيته؟ قال : فيجيء إلى منزله فينظر في أساسه ، فإذا صخر من لؤلؤ ، ثم يرفع بصره ، فلو لا أنّ الله ذلّله لذهب بصره ، ثم ينظر أسفل من ذلك ، فإذا هو بالسّرر الموضونة ، والفرش المرفوعة ، والزّرابيّ المبثوثة ، فعند ذلك قالوا : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ). كلّهم قرأ «وما كنّا» بإثبات الواو ، غير ابن عامر ، فإنه قرأ «ما كنا لنهتدي» بغير واو ، وكذلك هي في مصاحف أهل الشّام. قال أبو عليّ : وجه الاستغناء عن الواو أنّ القصة ملتبسة بما قبلها فأغنى التباسها به عن حرف العطف ، ومثله (رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) (١).
قوله تعالى : (لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ) هذا قول أهل الجنّة حين رأوا ما وعدهم الرّسل عيانا. (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) قال الزّجّاج : إنّما قال «تلكم» لأنهم وعدوا بها في الدّنيا ، فكأنه قيل لهم : هذه تلكم التي وعدتم بها. وجائز أن يكون هذا قيل لهم حين عاينوها قبل دخولهم إليها. وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وابن عامر «أورثتموها» غير مدغمة. وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائيّ «أورثتموها» مدغمة ، وكذلك قرءوا في (الزّخرف) قال أبو عليّ : من ترك الإدغام ، فلتباين مخرج الحرفين ، ومن أدغم ، فلأنّ التاء والثاء مهموستان متقاربتان. وفي معنى «أورثتموها» أربعة أقوال :
(٥٨٢) أحدها : ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «ما من أحد إلّا وله منزل في الجنّة
____________________________________
(٥٨١) صحيح. أخرجه البخاري ٢٤٤٠ و ٦٥٣٥ وأحمد ٣ / ١٣ و ٦٣ و ٧٤ وابن أبي عاصم في «السنة» ٨٥٨ وابن مندة ٨٣٧ و ٨٣٨ ، ٨٣٩ وأبي يعلى ١١٨٦ ، وابن حبان ٧٤٣٤ وأبو نعيم في «صفة الجنّة» ٢٨٨٨.
(٥٨٢) أخرجه ابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» ٤ / ١٥٩ (الزخرف : ٧٢) عن الفضل ابن شاذان المقرئ حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا ، وإسناده حسن ، رجاله ثقات أبو بكر بن عياش فيه كلام لا يضر. وورد عن أبي بكر بن عياش بهذا الإسناد بلفظ «كل
__________________
(١) سورة الكهف : ٢٢.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
