وهي أن التشريعات الإسلامية لا تتحرك من قاعدة القيم التي تعيش في السماء ، بعيدا عن الأرض ، لأن الإسلام ليس دينا مثاليا يطرح القيم العليا والأهداف الكبيرة التي يتطلع إليها الناس وهم مسحورون بها من دون أن يستطيعوا الاقتراب منها فضلا عن الوصول إليها ، تماما كأية لوحة فنية لا يمل الإنسان من التطلع إليها والتحديق بها في وقفة جمالية رائعة ، بل هو دين يتحرك من قاعدة القيم التي تعيش في التي تعيش في الأرض في ساحة الواقع الإنساني الذي يتعامل مع الإنسان كبشر يملك في داخله الكثير من الغرائز والشهوات والعناصر المتضادة ، لا كملاك يحلق في أجواء الروح المتحركة في نطاق التجريد والمجردات.
إنه يتعامل معه كبشر ليقربه من أجواء الملاك من دون أن يفقده خصائص بشريته ، ليبقى يعيش مع الأرض حتى وهو يتطلع إلى السماء ، وإذا كانت الأرض ليست سماء وإذا كان الإنسان يعيش في الأرض ، فلا بد للتشريع من أن يكون للأرض لا للسماء ، وبذلك فلا بد له من أن يتأثر في طبيعة تكوينه من مراعاة النوازع الأرضية في طبيعتها المادية ، وملاحظة الأساليب الواقعية في الوصول بالإنسان إلى القيم الروحية.
تلك هي النقطة التي ينبغي لنا أن نواجهها في فهم التشريع ، وهي النزعة الواقعية في طبيعته وحركته ، التي تواجه الإنسان من موقع نقاط الضعف ونقاط القوة.
وفي ضوء هذا نتحرك في اتجاه معالجة الجريمة في شريعة القصاص ، فنبدأ ، أولا في تقديم الصورة التوضيحية ، وذلك بأن نتصور مجتمعا لا قصاص فيه ، فنجد القتلى تتساقط كنتيجة لعقدة أو نزوة أو مزاج أو خلاف طارئ ، ويقف المجتمع جامدا أمام القاتلين ليحمي لهم حياتهم فلا يمكّن أحدا من الاعتداء على حياتهم ، بل يكتفي المجتمع بالسجن والغرامة وغير ذلك ، كما
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3260_tafsir-men-wahi-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
