ولأن إرادة المخالفة لما ينهى عنه إفساد للمنهي والنهي ، لذلك قابلها ب (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ).
وهنا لما يقول الإمام علي (عليه السلام) يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصني ، قال : قل ربي الله ثم استقم ـ يقول ـ قلت : ربي الله وما توفيقي إلّا بالله عليه توكلت وإليه أنيب» قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ليهنك العلم أبا الحسن لقد شربت العلم شربا ونهلته نهلا» (١).
وتوفيق الله هو جعل قال العبد وحاله وفعاله وفقا لمرضاته في محبور أو محظور ، فعلا لمحبور وتركا لمحظور (٢).
فحين خيل إلى قوم شعيب أنه ينهاهم عما لا صلة له بما هو شغله يرد عليهم صارخا (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) بل أنا أوافقكم في الانتهاء عما أنهاكم عنه ، فكما أن صلاتي تنهاني عن الفحشاء والمنكر عقيديا وعمليا ، فأنا أنهاكم عن الفحشاء عقيديا وعمليا.
(وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ)(٨٩).
أنتم تشاقّونني في صالح الدعوة ، حيث تجعلونني في شق
__________________
(١) يقال خالفني فلان إلى كذا قصده وأنت مول عنه ، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول خالفني إلى الماء يريد أنه ذهب إليه واردا وأنا ذاهب عنه صادرا ، وهذا الأخير هو المعنى من الآية كما بيناه.
(٢) نور الثقلين ٢ : ٣٩٣ في كتاب التوحيد بإسناده إلى عبد الله بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) حديث طويل وفيه : فقلت قوله عزّ وجلّ : وما توفيقي إلا بالله ، وقوله عزّ وجلّ : (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ)؟ فقال : إذا فعل العبد ما أمره الله عزّ وجلّ به من الطاعة كان فعله وفقا لأمر الله عزّ وجلّ وسمي العبد به موفقا وإذا أراد العبد أن يدخل في شيء من معاصي الله فحال الله تبارك وتعالى بينه وبين تلك المعصية فتركها كان تركه لها بتوفيق الله تعالى ذكره ومتى خلى بينه وبينها حتى يرتكبها فقد خذله ولم ينصره ولم يوفقه.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
