الله كلها ، وصلاتي أنا ، كلها عساكر من البراهين لصالح ما أنهاكم وآمركم ، (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) دون تأمر عليكم لا يعنى (وَما تَوْفِيقِي) في دعوة الحق وتحقيقه (إِلَّا بِاللهِ) فما أنا إلا رسول الله (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) لا على سواه (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) لا إلى سواه.
وهنا في (ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) لمحة صارحة أن إرادة مخالفة الناهي لما ينهى عنه هي من المنكرات ، فضلا عن أصل المخالفة ولا سيما إذا كانت جاهرة ، وهكذا الأمر في الأمر : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٢ : ٤٤) (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ) (١).
فهذه نصوص ثلاثة تحظر عن مخالفة الآمر والناهي ما يأمر به أو ينهى عنه ، وأنه خلاف العقل ومقت كبير.
ولما ذا (أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) دون «فيما أنهاكم عنه»؟ علّها المخالفة الناحية منحى النهي ، أنني ما أريد مخالفة في نفسي ناشبة إلى ما أنهاكم عنه حتى تحتجوا علي بما أخالفكم ، فإن الاقتراف الجاهر للحرام له تأثير عظيم سلبي في مادة النهي ، حيث يحرض المنهي على الإصرار فيه (٢).
وهنا (ما أُرِيدُ) تجعل نفس هذه الإرادة محظورة فضلا عن فعلها خفية أو جهارا ، فقد يحظر على ذلك الثالوث ، فيحظر عن النهي المخالف للإرادة والفعل.
ووجه آخر أنني ما أريد أن أخالفكم فيما تحكم به فطركم وعقولكم
__________________
(١) الدر المنثور ٣ : ٣٤٧ ـ أخرج ابن أبي حاتم عن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود فقالت : انتهى عن المواصلة؟ قال : نعم ، قالت : فلعله في بعض نساءك ، فقال : ما حفظت إذا وصية العبد الصالح : (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ).
(٢) المصدر أخرج أبو نعيم في الحلية عن علي (عليه السلام) قال قلت يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصني ...
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
