الهارعين (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً) لأصدكم عما تنوون ولحلت بينكم وبين ما هممتم من الفساد وأردتموه من ذنوب فحشاء ، والحذف هنا أبلغ لأنه يوهم المتوعد بعظيم الجزاء وغليظ النكال ، ويصرف وهمه إلى ضروب العقاب ولا يقف به عند جنس من أجناس المخوفات المتوقعات.
ذلك ، فليس مخرج قول لوط هذا على ما ظنه من لا معرفة له وقدح فيه بأنه لم يأو إلى الله سبحانه ، لأن لوطا إنما أراد فيما أراد الأعوان من قومه والأركان المستند إليهم من قبيلته في الله وهو يعلم أن له معونة الله سبحانه أشد الأركان وأعز الأعوان ، إلا أن من تمام إزاحة العلة في التكليف حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وقرب المعاضد والمرافد.
ثم القصد من (آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) هو الله تعالى شأنه العزيز فإنه هو مأواه على أية حال ، ولكنه أراده مأوى في خاصة حالته المزرية وماسة حاجته المردية ، فقد آوى إليه فنجاه بما نجاه.
فحين وصلت حالته إلى هذه المزرية الضارعة ، الضائقة الفائقة الضيق (١) وآوى إلى ركن الله الذي لا يتخلى عن أولياءه ، كشف الرسل له عن ذلك الركن الحاضر ف :
(قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ
__________________
(١) نور الثقلين ٢ : ٣٨٧ في العلل بإسناده إلى ابن مسعود قال : احتجوا في مسجد الكوفة فقالوا : ما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) لم ينازع الثلاثة كما نازع طلحة والزبير وعائشة ومعاوية؟ فبلغ ذلك عليا (عليه السلام) فأمر أن ينادي الصلاة الجامعة فلما اجتمعوا صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : معاشر الناس إنه بلغني عنكم كذا وكذا؟ قالوا : صدق أمير المؤمنين (عليه السلام) قد قلنا ذلك ، قال : إن لي بسنة الأنبياء أسوة فيما فعلت قال الله تعالى في محكم كتابه : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، قالوا : ومن يا أمير المؤمنين؟ قال : أولهم إبراهيم ـ إلى أن قال ـ : ولى بابن خالته لوط أسوة أن قال لقومه : (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) فإن قلتم أن لوطا كانت له بهم قوة فقد كفرتم وان قلتم لم يكن له بهم قوة فالوصي أعذر.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
