وهكذا يبلغ التحجر بالناس النسناس أن يعجبوا من الحق اليقين بمجرد أنه يخالف شهواتهم وعناياتهم الجاهلة التي تعوّدوا عليها ، وإنها لطبيعة واحدة ورواية فاردة مكرورة على مدار الزمن الرسالي.
وهنا يجيب صالح صالح الإجابة التي مضت عن جده نوح (عليه السلام) وهي إجابة الرسل صيغة واحدة وصبغة واحدة :
(قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ)(٦٣).
إنّ كوني فيكم مرجوا قبل هذا ليست بينة لكم عليّ ، حيث السكوت عن دعوة مّا لفترة مّا ليس بينة لواجب السكوت في كل الفترات والحالات ، ثم (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) وأنا بنفسي وما زوّدني ربي بينة من ربي (وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً) الوحي الرسالي ، فهل أترك هذه الرحمة الغالية لكي أظلّ مرجوا فيكم بما تشتهون ، إذا (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) في بينته ورحمته (فَما تَزِيدُونَنِي) بدعايتكم هذه (غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أن أخسر رحمة ربي لكي أربح رجاءكم فيّ لما تهوونه؟! رجاء قاحلا جاهلا ماحلا.
أجل وذلك تخسير على تخسير ، خسارة الوحي والرسالة بعصياني وانعزالي عنها ، وخسارة النقمة الربانية إن عصيته في رسالته المفروضة على حين أرفضها.
ذلك ، وحيث تريدون بينة غيري وما أنا عليه من بينة ف :
(وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ)(٦٤).
(هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ) أنتم النوق «آية» وأين ناقة من هؤلاء النوق؟ فقد أشبهت (لَكُمْ آيَةً) كما أشبه ثعبان موسى للثعابين الفرعونيين.
«هذه لكم آية» متطلّبة بنوعها لإثبات الرسالة ، فاغتنموها (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ) دون أن يكلفكم أكلا من عندكم أنفسكم أو شربا ،
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
