لا خليفة يخلفه في سماء أو أرض ، وإنما هم خلائق خلائف يخلف بعضهم بعضا في الحياة الأرضية ، كل خلف لآخر خلفا وغير خلف.
(وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) باستئصالهم عن بكرتهم ب (الرِّيحَ الْعَقِيمَ. ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) (٥١ : ٤٢) (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ. فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ) (٦٩ : ٨).
وهنا (نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) كما وفي الأخرى (نَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ).
وهنا مواصفة «عذاب» ب «غليظ» استعارة بالغة الحسن ، حيث العذاب لا يوصف بالغليظ لأنه الألم الذي يلحق الحي في قلبه أو جسمه ، وإنما وصفه تعالى هنا بالغلظ إذ يوصف الأمر الهيّن بالضئولة والدقة كما يوصف الأمر الشاق بالغلظ والشدة ، حملا لذلك على عرف المراعاة للشيء الغليظ الكثيف ، وقلة الحفل بالشيء الدقيق الضئيل ، وكما يقال : عرض فلان دقيق وقدره ضئيل.
ووجه آخر أن يعنى بعذاب غليظ هنا عذاب الآخرة حيث يقع بالآلات المستعظمة والأعيان المستفظعة ، كمقامع الحديد والحجارة المحمّاة ، ومما يؤيد أنه عذاب الآخرة ذكر (وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) بعد (نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا).
«وتلك» البعيدون البعيدون (عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ) آفاقية وأنفسية وعموا عنها وصموا (وَعَصَوْا رُسُلَهُ) مهما عاشوا رسولا واحدا ، فإن عصيان رسول واحد بيّن الرسالة هو عصيان للرسالات كلها فقد : (كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ) (٢٦ : ١٢٤) (وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) (٤٦ : ٢١) فهم كذبوا بهؤلاء النذر إذ كذبوا بنذير بهم والسند واحد و (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) ، (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) تاركين إتباع رسولهم وسائر رسل الله.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
