بأنفسهم في قالاتهم وحالاتهم وفعالاتهم بينات ربانية وإن لم يأتوا بسائر البينات ، وكما قال رسل المسيح (عليه السلام) جوابا عن شطحات المنكرين (رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) (٣٦ : ١٦) توجيها وجيها لهم إلى التربية الرسالية الباهرة فيهم ، الظاهرة في دعواتهم.
ثم (وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ) إذ لا حجة فيه ، وهم منكرون حجج الرسالات كلها ، رامين إياها بالسحر والكهانة على طول الخط ، مجتثين جذورها باستبعاد أو استحالة رسالة بشر إلى بشر ، وما إلى ذلك من حجج داحضة في لجج من لجاجات.
ثم يلخصون قيلتهم هذه ب (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) غضبا ناقما عليك إذ ترفضهم ولا تفرضهم ، وكأنه يؤمن بهم فيخالفهم في ألوهتهم ، ف (قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) :
(أُشْهِدُ اللهَ) بما رباني بالدعوة التوحيدية الباهرة ، فالله شهيد لرسالاته برسله : (قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) (٦ : ١٩) ثم (وَاشْهَدُوا) كما تشهدون من دعوتي ودعايتي المتواصلة التوحيدية : (أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ) ثم يتحداهم باعترائهم وألهتهم إياه بأي سوء (فَكِيدُونِي جَمِيعاً) آلهة ومألوهين (ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) وهذه المجاهرة بتلك البراءة استنهاض لهم بآلهتهم التي ألهتهم أن يعتروه ما أمكنهم ، فلما رأوا أيديهم وإياهم فاضية. عن هذه الإرادة السيئة ، فليعرفوا بطلان (اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ)! وليكن ذلك التحدي من عديد آيات رسالته البينات إذ فنّد مدّعاهم أن آلهتهم على شيء مما يحددونه.
وذلك (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ).
هنا (رَبِّي وَرَبِّكُمْ) في أخذ كل ناصية للتدليل على شمول هذه الربوبية ، ثم و (إِنَّ رَبِّي) الثانية دون (وَرَبِّكُمْ) لمكان نكرانهم أنه على صراط مستقيم في ربوبيته ، حيث اتخذوا له شركاء ، إذا ف (رَبِّي) أنا الرسول المربي برحمته وخاصة عنايته ، إنّه (عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ).
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
