وأما أن «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» و «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» ثم (لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ) فهذه حقائق صادقة لا تنكر ، ولا يعني (مَتاعاً حَسَناً) عدم البلية في هذه الدنيّة ، وإنما يعني ما يناسب الحياة الأخرى حيث يحقق مرضات الله ، ومعيشة المؤمن على أية حال هي الحسنة المريحة الفاسحة مهما مرض وظلم وافتقر حيث يرتكن على الله بذكره وهداه ورضاه ، وهي الحسنى في الحياة الإيمانية خلاف سائر الحياة : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) (٢٠ : ١٢٤).
فالمشتغل بطاعة الله وعبادته منشغل عما سوى الله ، مبتهج بالله ، فالحياة الدنيا له جنة في باطنها حاضرا ومستقبلا ، مهما كانت له سجنا حيث يسجن فيها عن لقاء الله الحاصل له يوم الأخرى ، وهي جنة للكافر على ضنكها إذ لا يحسب لنفسه حياة إلّا إياها ، أترى المعيشة الضنك هي في الحق جنة ، والمعيشة الواسعة برضوان من الله هي في الحق سجن؟.
فلننظر (مَتاعاً حَسَناً) بعمق البصيرة دون ظاهر البصر ، فحين يقول الله تعالى : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ) (٤٠ : ٥١) لا يعني إلّا نصرة في حمل الرسالة والإيمان وتطبيق الواجب فيهما ، دون زهرة الحياة الدنيا مهما حصلت أحيانا مّا ، كما و (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) و «ألا إن حزب الله هم الغالبون» يعنيان تلك الغلبة الصالحة الفالحة بميزان الله لأهل الله.
فطمأنينة القلب إلى العاقبة الحسنى ، والاتصال بالله والرجاء في نصره وإحسانه وفضله كما يشاء ويرضى ، كلّ ذلك عوض عن كل متعة في الحياة الدنيا ، للإنسان المرتفع عن الحس المادي الغليظ الحضيض البغيض.
ومهما كان المؤمنون القلة مظلومين في مجتمع يسود فيه الظلم ، فلا تخلو حياتهم عن متاع حسن إذ لا يبتلون هم أنفسهم بالظلم ، ولا ينظلمون
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
