ذنوبنا التي توردنا موارد الفتنة المضّللة ، (وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً) (٥ : ٤١).
ففي مثنى الفتنة الفاتنة الممتهنة ، والفتنة الممتحنة ، ليس نصيب المؤمنين إلا الثانية ، والأولى هي للذين ظلموا وكفروا.
ذلك ، والتوكل على الله بعد الإيمان بالله والإسلام لله هو عنصر القوة المتينة المكينة الذي يضاف إلى رصيد التقوى مع الإيمان والإسلام ، فإذا ذرية قليلة ضعيفة تصبح قوية صارمة أمام جبروت الطاغوت.
فقولهم (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) يعنى به ألا يمكّن الظالمين منهم إضلالا لهم وإدغالا ، أم استئصالا لهم وإخمالا (وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) في ورطة الفتنة المستمرة منهم.
(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)(٨٧).
ذلك الوحي في الوسط الذي عاشه بنو إسرائيل بين الغلب على فرعون في تلك المباراة وبين ملاحقته موسى وقومه وغرقه مع ملئه (أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً) مما يدل على أنهم لم تكن لهم بمصر بيوت إذ كانوا مستخدمين في البيوت الفرعونية دونما استقلال حتى كالخدم المستقلين في بيوتهم ، المستغلين عند المستخدمين إياهم.
وأما كيف (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً)؟ فهل هي قبلة للصلوات؟ وليست بيوتهم قبلة ، كعبة أو القدس! أم قبلة قبال الفرعونيين؟ وهذه سياسة الاستهدار الاستهتار أن تجعل بيوتهم قبالهم ، فصراع دائب بدل أن يتغربوا عنهم ولا يتقربوا منهم!.
هنا «قبلة» تعني قبال بعضها البعض (١) تغربا عن القبط الكافرين ،
__________________
(١) الدر المنثور ٣ : ٣١٤ ـ أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : يقابل بعضها بعضا.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
