«كذلك ربنا لا يعزب عنه شيء وكيف يكون من خلق الأشياء لا يعلم ما خلق وهو الخلاق العليم» (١).
ذلك ، وفي نظرة إلى الآية بشأنها أدبيا ترى ما هو المرجع لضمير «منه»؟ إنه الشأن حيث يعني الشأن الرسالي ، وهو القرآن لأنه أصل شأنه الرسالي وعلى هامشه السنة ، وقد أفرد القرآن بالذكر بعد تعميم «شأن» ليدل على أنه هو معظم الشأن رسوليا ورساليا ، ثم سائره ليس إلّا على هامشه ، فقد (أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ ..) (٤ : ١٠٥) تقديما للكتاب الذي هو المحور الأصيل بتنزيله وتأويله (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) ثم (بِما أَراكَ اللهُ) تعميما بعد تخصيص ليدل على أن له إراءة إلهية على هامش القرآن ليست هي في القرآن نصا أو ظاهرا.
وهنا يتقدم الأرض على السماء حيث الأرض أقرب إلى حاضر مخاطبيها من السماء ، وأن المقام هو الشهادة على أعمال المكلفين والأصل منهم هنا ساكنوا الأرض.
ويعكس الأمر في سباء : (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) لأن غيب السماء أغيب في حسابنا من غيب الأرض.
وترى (وَما يَعْزُبُ) أي يبعد (إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) هلّا تبعد كل علم هنا عن (كِتابٍ مُبِينٍ)؟ كلّا حيث الاستثناء استغراق لعلم كل شيء في كتاب مبين ، أي (إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) في سلبية العزب ، فكل شيء من الكائنات هو مسلوب العزب عن ربك عنده.
وقد يكون هذا الاستثناء منقطعا يقطع كل عزب عن ساحة علمه تعالى ، فيعني أن كل المذكورات هي في كتاب مبين.
__________________
(١). نور الثقلين ٢ : ٣٠٨ في كتاب التوحيد حديث طويل عن علي (عليه السلام) يقول فيه وقد سأله رجل عما اشتبه عليه من الآيات وأما قوله : وما يغرب عن ربك ... كذلك ...
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
