ومرسلا إليهم «من عمل» قلبي أو قالبي (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً) شهادة الحق الذي لا ريب فيه ولا خفية تعتريه (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) من عمل ، والإفاضة هي الإسالة في خير ، أو الخوض في شر ، حين تستفرغون لعمل مما تعملون.
وهنا (كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً) تعني جمعية الصفات ، وليست جمعية الذات ، أم الذات مع غيرها من الذوات التي هي شهود فرعية بإذنه تعالى كالملائكة والنبيين والأعضاء العاملة والأرض ، فإن الله لا يردف نفسه بخلقه فضلا عن أن يأتي بصيغة تجمعه إلى خلقه.
إذا ف «كنا» هنا ك (أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) و (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) وما أشبه ، أترى بعد أن مع الله معطين آخرين للكوثر ، ومنزلين سواه للذكر؟ حتى يجمعهم إلى نفسه في هذه الجموع؟!.
فقد يعني الجمع فيها وفي أضرابها عناية جمعية الصفات الربانية في تلك الشهادة على الأعمال كلها ، شهادة قيومية وعلمية واستنساخية : (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٤٥ : ٢٩) وإيحاء للأرض تسجيلا لما يحدث عليها (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها. بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) (٩٩ : ٥) وإعلاما لسائر الشهود أن يشهدوا ما يعملون.
ذلك «وما يعزب ـ ويبعد ـ عن ربك» الذي رباك بهذه التربية القمة غير العازبة عنه (مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) أرضا وسماء وما بينهما وما فيهما من أحياء وأموات ، (وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) في علم الله قبل الخلق وبعده.
وهنا أصغر من مثقال ذرة ، هو الذي لا يرى ببصر أو بصيرة ، فهو في الماديات هي المادة الفردة ذات بعدين ، التي لا تنقسم إلّا إلى الفناء انقساما هو انفصام عن كونها ، فهي المادة الأولية ، وهو في الطاقات هي الطامّة الفردة ، فهي الطاقة الأولية في حقل الخلق.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
