رجع هو إليهم الى ذلك الوقت والا تفرقوا في البلاد ولحقوا ببلادهم أو حيث شاؤا ، فقال الخضر : ايها الملك انا نسلك في الظلمة لا يرى بعضنا بعضا كيف نصنع بالضلال إذا أصابنا؟ فأعطاه ذو القرنين خرزة حمراء (١) كأنها مشعل لها ضوء ، فقال : خذ هذه الخرزة فاذا أصاب بكم الضلال فارم بها الى الأرض فانها تصيح ، فاذا صاحت رجع أهل الضلال الى صوتها ، فأخذها الخضر ومضى في الظلمة ، وكان الخضر يرتحل وينزل ذو القرنين ، فبينا الخضر يسير ذات يوم إذ عرض له واد في الظلمة فقال لأصحابه : قفوا هذا الموضع لا يتحركن أحد منكم عن موضعه ، ونزل عن فرسه فتناول الخرزة فرمى بها في الوادي فابطأت عنها بالإجابة حتى ساء ظنه وخاف أن لا يجيبه ثم أجابته ، فخرج الى صوتها فاذا هي العين بقعرها ، وإذا ماؤها أشد بياضا من اللبن وأصفى من الياقوت ، وأحلى من العسل ، فشرب منه ثم خلع ثيابه فاغتسل منها ، ثم لبس ثيابه ثم رمى بالخرزة نحو أصحابه فأجابته فخرج الى أصحابه وركب وأمرهم بالمسير ، فساروا.
ومر ذو القرنين بعده فاخطأ الوادي فسلكوا تلك الظلمة بأربعين يوما وأربعين ليلة ثم خرجوا بضوء ليس بضوء نهار ولا شمس ولا قمر ولكنه نور ، فخرجوا الى أرض حمراء رملة خشخاشة فركة (٢) كان حصاها اللؤلؤ فاذا هو بقصر مبني على طوله فرسخ ، فجاء ذو القرنين الى الباب فعسكر عليه ثم توجه بوجهه وحده الى القصر ، فاذا طائر وإذا حديدة طويلة قد وضع طرفاها على جانبي القصر. والطير اسود معلق بأنفه في تلك الحديدة بين السماء والأرض مزموم كأنه الخطاف أو صورة الخطاف أو شبيه بالخطاف أو هو خطاف ، فلما سمع خشخشة ذي القرنين قال : من هذا؟ قال : انا ذو القرنين ، قال : اما كفاك ما وراك حتى وصلت الى حد بابى هذا؟ ففرق ذو القرنين فرقا شديدا (٣) فقال : يا ذا القرنين لا تخف وأخبرنى ،
__________________
(١) الخرزة ـ واحد الخرز محركة ـ : الحب المثقوب من الزجاج ونحوه تنظم منه المسابح والقائد ونحوها. فصوص من حجارةكالماس والياقوت.
(٢) قال في البحار : الخشخشة : صوت السلاح وكل شيء يابس إذا حل بعضه ببعض والدخول في الشيء «انتهى» وقوله عليهالسلام «فركة» اى كانت لينة بحيث كان يمكن فركها باليد.
(٣) فرق ـ كعلم ـ : فزع.
![تفسير نور الثقلين [ ج ٣ ] تفسير نور الثقلين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2880_tafsir-noor-ulsaqlain-03%2Fimages%2Fcover.gif&w=640&q=75)
