ويحتمل وجها رابعا : وهو أن هذا الفعل لما خولف به عن طريق أخواته من الأفعال جعل لفظه مخالفا لحكم ما ينفيه ؛ ليدل بهذا الخلاف في اللفظ على أنه قد ألزم وجها واحدا ، ولو استعملوا من (ليس) المضارع لم يكن في المستعمل على خروجه من الأصل وجاز أن يشك في استعمال لفظ الماضي ، فعدل به إلى جهة ترفع الشك من هنا.
فإن قال قائل : فلم لزمت بعض هذه الأفعال (ما) نحو : ما زال ، وما انفك ، وما برح ، وما فتئ ، وما دام ، وهل ل (ما) فيها حكم واحد؟
فالجواب في ذلك أن (ما) في دام وحدها مخالفة ل (ما) في باقي الأفعال ، وذلك أن (ما) في ما زال تبقى من سائر الأفعال للنفي وهي في (مادام) لغير النفي (١) وإن (ما) مع ذلك بمنزلة المصدر والنائب عن الفعل ، والدليل على ذلك أنه لا يصح الابتداء بها وإنما تستعمل متعلقة بفعل كقولك : إني أنتظرك ما دمت قائما ، والمعنى : وقت دوام قيامك ، فموضع الوقت نصب بانتظارك ، فلما حذفت الوقت صار موضع (ما دام) نصبا لقيامه مقام الوقت كما تقول : انتظرك خفوق النجم ، ولو كانت في مادام للنفي لوجب أن يبتدأ بها كما يبتدأ بأخواتها من الأفعال التي معها كقولك ما زال زيد قائما ، وما انفك عمرو ذاهبا فبان بذلك اختلاف حكم ما ذكرناه.
وإنما لزمت هذه الأفعال (ما) سوى دام لأن فيها معنى النفي ، وذلك أن قول القائل : زال زيد وبرح ، أي : انتفى من هذه المواضع ، وفتئ بمنزلة زال في المعنى ، وانفك معناه : افترق ، والافتراق / بمعنى الانتفاء لأنه زوال عن (٢) حال الاجتماع ،
__________________
(١) قال الخليل في حديثه عن (ما) في موضع الظرف : " قول الله تبارك وتعالى : (ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ*) أي : بقاء السموات والأرض. وموضعها النصب". انظر كتاب الجمل في النحو : ٣٠٨.
(٢) في الأصل : على ، وقد أثبت ما يناسب الفعل من حروف الجر.
