ولا تكن يا بني ممن يعجب باليقين من نفسه فيما ذهب ، وينسى اليقين فيما رجا وطلب ، يقول فيما ذهب : لو قدر شيء كان ، ويقول فيما بقي اتبع (١) أيها الإنسان ، شاخصا غير مطمئن ، لا يثق من الرزق بما قد يضمن ، لا (٢) تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن ، يتمنى المغفرة ويعمل في المعصية ، كأن في أوّل عمره في غفلة ، وغرة ، ثم أبقى وأقيل العثرة فإذا هو في آخره كسل وفترة ، طال عليه الأمل فافتتن (٣) ، وطال عليه الأبد ، فاغترّ ، واعتذر إليه فما عمر ، وليس فيما عمر بمعذر ، عمر فيما يتذكر فيه من تذكر ، فهو من الذنب والنعمة موقر ، إن أعطي لم يشكر ، وإن منع قال لم يقدر ، أساء العبد واستكبر (٤) ، الله أحق أن يشكر ، وهو أحق أن لا يعذر ، يتكلف ما لم يؤمر ، ويضع (٥) ما هو أكبر ، يسأل الكثير ، وينفق اليسير ، أعطي ما يكفي ، ومنع ما يلهي ، فليس يرى شيئا يغني إلّا غناء يطغي ، يعجز [عن شكر](٦) ما أعطي ويبتغي الزيادة فيما بقي ، يستبطئ نفسه في شكر ما أوتي ، وينسى ما عليه من الشكر ، فيما وفى ، ينهى ولا ينتهي ، ويأمر ولا يأتي ، يهلك في بعضه ، ولا يقصد في حبه ، يغره من نفسه [حبه ما ليس عنده ، وبغضه على ما](٧) عنده مثله يحب الصالحين ولا يعمل عملهم ، ويبغض المسيئين وهو أحدهم ، يرجو الأجر (٨) في البغض على ظنه ، ولا يخشى المقت في اليقين من نفسه ، لا يقدر من الدنيا على ما يهوى ، ولا يخيل من الآخرة على ما يبقى ، إن عوفي حسب أنه قد تاب ، وإن ابتلى عاد ، إن عرضت له شهوة قال : يكفيك العمل فواقع ، وإن عرض له عمل كسل (٩) وقال : يكفيك الورع ، لا تذهب مخافته الكسل ، ولا تبعثه رغبته على العمل : مرض ولا يخشى أن بمرض ، ثم يؤجر ، وهو يخشى أن يغرض ثم لا يسعى فيما زعم ، أن ما تكفل له من الرزق يشغل مما فرغ له من العمل ، يخشى الخلق في ربه ، ولا يخشى الرب في خلقه ، يعوذ بالله من هو فوقه ، ولا يريد أن يعيذ الله ممن تحته ، يخشى الموت ولا يرجو الفوت ، ثم يأمن ما يخشى وقد أيقن به ولا يأيس مما يرجوه ، وقد أيس منه ، يرجو أنفع علم لا يعمل به ويأمن ضر جهل قد أيقن به. يسخر بمن تحته من الخلق ، وينسى ما عليه فيه من الحق من أن يكون مثلهم ، كأن النقص لم يصبه معهم
__________________
(١) كذا بالأصل وم ، وفي الحلية : ابتغ.
(٢) الأصل وم : «له» والمثبت عن الحلية.
(٣) تقرأ بالأصل وم : «فقير» والمثبت عن الحلية.
(٤) كذا بالأصل وم ، وفي الحلية : واستأثر.
(٥) في الحلية : ويضيع ما هو أكثر.
(٦) الزيادة عن الحلية.
(٧) زيادة لإيضاح المعنى عن الحلية ، وم.
(٨) كذا بالأصل وم ، وفي الحلية : الآخرة.
(٩) أقحم بعدها بالأصل وم : «فقير» والمثبت يوافق عبارة الحلية.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٤٧ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2378_tarikh-madina-damishq-47%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
