(قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ) أَتخبرون بقولكم : «آمنّا»؟ والهمزة للإنكار والتوبيخ ، أي : كيف تعلّمون الله بدينكم؟ (وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) لا يخفى عليه خافية. وفيه تجهيل لهم ، لأنّه العالم بالذات ، فيعلم المعلومات كلّها بنفسه ، فلا يحتاج إلى معلّم يعلّمه ، كما أنّه كان قديما موجودا في الأزل بالذات ، واستغنى عن موجد أوجده.
وكانوا يقولون : آمنّا بك من غير قتال ، وقاتلك بنو فلان. فأجابهم الله سبحانه بقوله :
(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) يعدّون إسلامهم عليك منّة. وهي : النعمة الّتي لا يستثيب مسديها (١) ممّن يزلّها إليه. من المنّ بمعنى القطع ، لأنّه إنّما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير ، من غير أن يعمد لطلب مثوبة. ثم يقال : منّ عليه صنعه ، إذا اعتدّه عليه منّة وإنعاما.
(قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ) أي : بإسلامكم. فنصب بنزع الخافض ، أو تضمين الفعل معنى الاعتداد. (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ) بل الله يعتدّ عليكم أن أمدّكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان على ما زعمتم ، وادّعيتم أنّكم أرشدتم إليه ووفّقتم له (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في ادّعاء الإيمان ، إلّا أنّكم تزعمون وتدّعون ما الله عليم بخلافه. وجواب الشرط محذوف يدلّ عليه ما قبله ، أي : فلله المنّة عليكم.
وفي سياق الآية لطف ، وهو أنّهم لمّا سمّوا ما صدر عنهم إيمانا ومنّوا به ، فنفى أنّه إيمان ، وسمّاه إسلاما ، فقال : يمنّون عليك بما هو في الحقيقة إسلام ، وليس بجدير أن يمنّ به عليك ، بل لو صحّ ادّعاؤهم للإيمان فلله المنّة عليهم بالهداية له ، لا لهم.
__________________
(١) من : أسدى إليه : أحسن. وأزلّ إليه نعمة : أعطاها.
![زبدة التّفاسير [ ج ٦ ] زبدة التّفاسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1725_zubdat-altafasir-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
