٥ ـ عن الإِمام أمير المؤمنين عليه السلام : « إن للقلوب إقبالاً وإدباراً . فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل ، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض » (١) .
يظن بعض الآباء والأمهات الجهلاء أن عليهم في سبيل تربية أطفالهم تربية دينية أن يحملوهم فوق طاقتهم ، ويكلفوهم بأداء النوافل ، ويوصوهم باحياء الليل وقراءة القرآن والأدعية المأثورة ، ويتصورون أنهم يحسنون صنعاً بذلك . يقولون له : لا تنسَ قراءة جزء من القرآن بعد صلاة الصبح ! لا تترك دعاء كميل في ليالي الجمعة ! اقرأ الذكر الفلاني ألف مرة يومياً . . . وامثال ذلك . إن هؤلاء غافلون عن أن هذه التكاليف الشديدة ليست مرغوباً فيها في الإِسلام فقط ، بل انهم بعملهم هذا يجعلون الولد ينظر الى الدين نظرة ملؤها التشاؤم ، ويؤججون نار البعد عن الإِسلام في قلبه . . . هذا مضافاً إلى أن الولد سيقع في مأزق حرج ، فإن الإِتيان بجميع تلك النوافل والعبادات المستحبة بصورة مستمرة مما لا يتحمل عادة ، ومن جهة أخرى فإنه يخاف من استياء والديه ويحذر من إزعاجهما ، ولذلك فإنه يلجأ الى الكذب ، فبينما ينام الليل الى الصباح يحاول إرضاء والديه فيدعي كذباً أنه أحيى الليلة حتى الصباح ، وصلى كذا ركعات ، وقرأ كذا من القرآن . . . الخ .
لو كان الوالدين يعملان بنصيحة الرسول الأعظم ( ص ) حيث يقول : « يقبل ميسوره ، ويتجاوز من معسوره » ولم يكونا يحمّلان الولد فوق طاقته من العبادات لم ينشأ على الكذب والتشاؤم نحو الدين .
يجب على الآباء والأمهات ـ بالإِضافة إلى العناية بالنواحي العلمية والدينية ـ أن يقيسوا القابليات الوسطى للأطفال ، ولا يحملوهم فوق ما يطيقون ، لأن الطفل يخاف من إغضاب والديه ، ويحاول أن لا يعرفه المربي بالكسل وعدم الكفاءة . وعندما يعجز عن أداء العمل الذي يفوق طاقته ومقدرته يلجأ في سبيل الحفاظ على شخصيته الى الكذب ، ويتكرر هذه الحالات ينشأ كذاباً ، نستنتج مما تقدم أن أحد العوامل المؤثرة في تعود الطفل على الكذب هو تكليفه بالأعمال التي تفوق مقدرته وإجباره على أداء ما لا يطيق .
____________________
(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٢٥١ .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ٢ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F134_child-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
