وجاشت به العواطف للشكوى من تفريط أخيه فقال : « أشكو إليك عاصم ابن زياد قال : وما له ؟ قال : لبس العباء وتخلى من الدنيا قال : علي به ! » .
وبعد أن أحضر عاصم بين يدي الامام وبخه قائلاً : « يا عُديَّ نفسه (١) ، لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك ؟ أترى الله أحل لك الطيبات ، وهو يكره أن تأخذها ؟ أنت أهون على الله من ذلك . . . » .
من خلال سرد هذه الحادثة التاريخية يتضح مدى استقامة المنهج الاسلامي الذي نطق به الامام أمير المؤمنين ( ع ) ، وهو يعبِّر عن نظرة النبي ( ص ) وحكم الله عز وجل . . . لكن بقيت في نفس عاصم بن زياد مشكلة لم يجد لها حلاً ، وهي كيفية التوفيق بين كلام الامام ( ع ) وعمله ، حيث قد زهد في الدنيا وترك الملاذ ، فجاشت عواطفه وما أسرع أن قال :
« . . . يا أمير المؤمنين : هذا أنت في خشونة ملبسك ، وجشوبة مأكلك ؟ ! قال : إني لست كأنت . . . إن الله فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس ؛ كي لا يتبيغ بالفقير فقره . . . » (٢) .
هذه هي خلاصة سريعة لعرض الآراء المختلفة ـ قديمها وحديثها ـ حول تحقيق سعادة الانسان وقياسها بتعاليم الاسلام العظيمة وحلوله الشافية . . .
على أن من الضروري أن نعلم : إن الأسس الأولى لسعادة الانسان إنما تخطط في رحم الأم . وإن التحقيقات العلمية الدقيقة أثبتت : إن لعالم الرحم دوراً مهماً في تقرير سعادة الإِنسان أو شقائه . ولهذا فسنحاول أن نتكلم بشيء من التفصيل عن هذا الدور في المحاضرة القادمة إن شاء الله .
____________________
(١) عُديّ : تصغير عدو .
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١١ / ٣٢ ، طبعة دار الاحياء . وقوله ( يتبيغ ) أي يهيج به . كما يقال : ( تبيغ الدم بصاحبه ) أي : هاج به .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ١ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F133_child-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
