المصنوع يحتاج إلى صانع ، والبناء يحتاج إلى بناء ، ان الوجدان الفطري الذي يربط بين الأثر والمؤثر طبيعي إلى درجة إن الطفل بمجرد أن يصبح قادراً على التكلم يسأل أمه باستمرار عن علل الحوادث المختلفة ، هذه الأسئلة ليست ذات صلة بالتفكير ولا ناجمة من المحاسبة العقلية ، لأنه لا يدرك المسائل العقلية بعد . وهكذا فان أكثر القبائل البشرية الوحشية تملك هذا الوجدان الفطري . يقول الشريف الرضي ( ره ) عند شرحه لبعض روايات الفطرة :
« وهذا يدلك على أن فطرة ابن آدم ملهمة معلمة من الله بأن الأثر دال دلالة بديهية على مؤثره بغير ارتياب » (١) .
ما أكثر الأفراد الذين استفادوا من كنز المعرفة الفطرية عندهم بفضل إيمانهم ووعيهم ، وتوصلوا إلى وجود الله الخالق الحكيم عن طريق التفكير والتدقيق في آية أو عدة آيات الهية ، ووقفوا خاضعين له في مقام العبودية مطيعين أوامره ونواهيه . . . وعلى العكس فما أكثر الأفراد الذين لم يلتفتوا لنداء الفطرة المنبعث من أعماقهم وتجاهلوا الحقيقة ، ولم يتوفقوا لعبودية الله والخضوع له حتى يوماً واحداً ، طيلة حياتهم ، وكذلك ما أكثر الأفراد الذين حاولوا إحياء المعرفة الفطرية في نفوسهم ، ولكنهم ضلوا عن الطريق المستقيم ، وعبدوا الجماد والنبات والحيوان ، أو الشمس والقمر والنجوم بدلاً من خالق الكون .
ولأجل أن يتضح معنى المعرفة الفطرية للسامعين الكرام أكثر نعقد مقارنة بين صنع الله وصنع البشر من حيث الدلالة على وجود الصانع ونتوصل ضمن المقارنة إلى بعض النتائج المفيدة .
إن القرآن الكريم يرى في الكون والموجودات كلها أنها صنع الله وتنظيمه . . . « صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ » (٢) . إذن فالله تعالى هو صانع العالم وجميع الموجودات مصنوعة له .
____________________
(١) إثبات الهداة ج ١ / ١٠٣ .
(٢) سورة النمل / ٨٨ .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ١ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F133_child-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
