وللتكامل الناشىء من الغرائز حد ثابت لا تتجاوزه ولكن الانسان يستطيع التدرج في مراتب الكمال ـ بفضل عقله وحريته ـ بدون أن يحد ترقيه حد معين ، وكلما يتقدم يجد مجال التقدم والتكامل أمامه مفتوحاً . ولهذا السبب فان المجتمع الانساني كان ولا يزال يخطو الخطوات الواسعة في مجال التقدم في ظل عقله وتفكيره ، مبتكراً في كل فن آلاف التحولات والتطورات في شؤون الحياة المختلفة . أما الحيوانات السجينة في قلعة الغرائز فانها باقية في نفس الحد الذي كانت عليه قبل عشرات القرون ولم ترفع خطوة واحدة في سبيل الترقي والتكامل الجديد .
وبالرغم من أن الحيوانات مصونة من التعرض للانحراف والخطأ بفضل غرائزها ، لكن الانسان معرض للخطأ والاشتباه مرة بعد أخرى ، وهب أن الغرائز توجد أشد التنظيم وأدقه في حياة الحيوانات ، ولكن الانسان لم يصل ـ لحد الآن ـ إلى تنظيم حياته الاجتماعية والعقلية بشكل متشابه لما هو موجود في غرائزه . . . بالرغم من هذا كله فان قيمة العقل لا يمكن أن تقاس مع الغريزة . إن الآلة الحاسبة تجيب على العمليات الحسابية بسرعه وانتظام وليس في مقدور أحد من بني الانسان أن يحل المسائل بتلك السعة والسرعة ، ولكن لا تستطيع الآلة الحاسبة أن تتعدي العمليات المحدودة الخاصة بها ، وكذللك الغرائز الحيوانية فشأنها شأن الآلة الحاسبة في السرعة والمحدودية . إن ميزة العقل البشري على الغرائز الحيوانية هي بقدر ميزة عقل المهندس المخترع للآلة الحاسبة على الآلة نفسها ، إن النتائج الحاصلة من الآلة الحاسبة ليست ناشئة من الفكر والتدبر ، وكذلك الحيوانات فإن أفعالها ليست على أساس الروية والتفكير :
|
|
« إن الحيوانات بالرغم من جهلها بنفسها وبيئتها ، تجد طريق الوصول إلى مسالك الحقيقة بدقة عجيبة ، أما الانسان فليس كذلك . وكأن الحياة اتخذت للتكامل في العالم طريقين مختلفين : أحدهما الغريزة والآخرة الذكاء والارادة » . « إن جميع الموجودات ما عدا الانسان
تملك شيئاً من العلم الفطري عن العالم وأنفسها . هذه الغرائز تقودها بشكل دقيق |
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ١ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F133_child-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
