المعاد وعالم الآخرة

آية الله مكارم الشيرازي

المعاد وعالم الآخرة

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: أمير المؤمنين عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-8139-28-8
الصفحات: ٢٦٤

تكرر رؤيتنا للقيامة

الطريق الثاني :

هناك عيب كبير يتخلل نظرتنا على الدوام وهو :

لايلفت إنتباهنا عادة في حياتنا اليومية سوى الأشياء التي تصطدم بها بصورة إستثنائية ، أمّا تلك التي نعيشها دائماً وبصورة مرتبة ـ مهما كانت خارقة وعجيبة وتنطوي على الدروس والعبر ـ فقلّما تسترعي إليها إنتباهنا!

فعادة ما يتجمع الناس حول مشهد أو لوحة أو ثوب مهما كان عديم الأهميّة إن كان متفاوتاً مع مارأيناه لحدّ الآن على أنّه موضوع يثير التعجب والدهشة ، بينما لا تثير مشاعرنا وأفكارنا أجمل وألطف وأعمق كائنات هذا العالم إن كانت معنا دائماً ، إنّنا نعرف الكثير من الأفراد الأفذاذ والخارقين وليس لهم من عيب سوى أنّهم يعيشون بيننا وعلى مقربة منّا ، ومن هنا لا نعير نبوغهم أيّة أهميّة ولا نكترث لأفكارهم السامية وروحهم العالية! وبالعكس فإنّنا نعرف بعض الأفراد العاديين الذين نطريهم بمختلف طقوس الإحترام والإعتزاز ، وما ذلك إلّالأنّهم ماتوا وإنقطعوا عنّا ، إنّ هذا نوع من الاسلوب السطحي الساذج في التفكير ، والمؤسف له أنّه يسود كافة

٨١

طبقات المجتمع حتى الخواص منهم.

لا نريد أن نبتعد عن أصل الموضوع ، ففي عالم الطبيعة الذي نعيش فيه نرى كراراً قضية إحياء الموتى ، غير أنّها وبسبب تعايشنا معها فهي لا تسترعي إنتباهنا.

يحل فصل الخريف ، نتجول في الصحارى والسهول وما زال كل شيء لحدّ الآن قد إحتفظ بصورته الطبيعية فنرى الأشياء ذابلة وشاحبة ، أوراق الأشجار تلفظ أنفاسها الأخيرة وتسعى جاهدة للإلتصاق بأغصان الشجرة وبالتالي تستسلم لرياح الخريف الباردة فتسقط على الأرض ، الأغصان هي الاخرى تعيش حالة الجفاف والذبول وكأنّ الحياة لم تدبّ فيها أبداً ، فإذا لاحت بوادر فصل الشتاء تسلطت عوامله الطبيعية لتحيل الأشجار إلى جثث هامدة عارية يسودها الصمت التام فلا من طراوة ولا ورق ولا ورد ولا ظل ، ولم يبق منها سوى ساق أجرد أشبه بجهاز عظمي مهموم لاروح فيه ولا حركة كالعظام النخرة التي تبقى من أجساد الأموات.

ولعل هذه الصورة تتجلى بوضوح في الصحاري القاحلة القفراء كصحراء الحجاز ـ التي لا تصلها سوى مياه الأمطار الموسمية ـ فهي تبدو في فصل الشتاء بالضبط كالمقابر القديمة والمتروكة ، حتى ، صوت البوم لا يسمع فيها بصفته الرفيق الحميم لمثل هذه الأماكن! ثم لايلبث ذلك طويلاً تلوح آفاق فصل الربيع بنسيمه الحيوي وأمطاره المناسبة وحرارته المعتدلة الخلّابة وبالتالي بجميع بركاته التي تجعل الأرض تتنفس الحياة لتدب في تلك العظام الخاوية للأشجار ، كما تفيض الحياة والحركة والنشاط على تلك الصحاري القفار التي كانت تفوح منها رائحة القبور القديمة والمتروكة ، وأخيراً فإنّ قيامة عظيمة تقوم لتجتاح أنحاء عالم الطبيعة.

٨٢

لا شك إنّ موت الطبيعة وبعثها الذي نشاهده كراراً طيلة سنوات عمرنا ، ما هو إلّانموذج حي لقيامة البشرية وبعثها للحياة ما بعد للموت. فما الفارق في ذلك ، فقانون الموت والحياة واحد في كل مكان.

فلو لم تكن هناك من حياة بعد الموت ، لما إنبغى أن تستثنى الأراضي الموات من هذا القانون.

وإن كان ممكناً ، فهو ممكن كذلك بالنسبة لأفراد البشر.

فإذا لم يكن هناك أي أثر للحياة في تلك الصحراء الجافة بالأمس ، حتى لا يسمع فيها صوت البوم الشغف بذلك المكان فيسارع للهرب منه ، بينما إخضرت وغرقت في الحياة والنشاط والحركة اليوم بفعل إرتفاع درجة حرارة الجو وهبوب الرياح المعتدلة وهطول بعض الأمطار ، فما بالنا لا نعمم هذا القانون على موت الإنسان وحياته ، حقاً ما الفارق بين هذين الأمرين.

هذه هي إحدى صور القيامة التي نمرّ عليها دائما مرور الكرام.

* * *

وقد تعرض القرآن الكريم على لسان العديد من الآيات إلى هذه الحقيقة بهدف الإرشاد إلى قيامة الناس ، فقد جاء في بعض الآيات :

١ ـ (وَاللهُ الَّذي ارْسَلَ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ الى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) (١). وكما نلاحظ فإنّ قيامة البشرية قد قورنت بقيامة عالم النبات.

٢ ـ (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَانْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصيدٍ* وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْع نَضِيدٍ* رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَاحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ) (٢).

__________________

(١) سورة فاطر ، الآية ٩.

(٢) سورة ق ، الآية ٩ ـ ١١.

٨٣

٣ ـ (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدةً فَاذَا انْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَانْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوُجٍ بَهِيجٍ* ذَلِكَ بِانَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَانَّهُ يُحيىِ الْمَوتى وَانَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِير) (١) وبهذا الشكل أصحبت قضية الحياة بعد الموت على هيئة أمر حسي وملموس يتكرر أمام العين كل سنة ، بعد أن كانت تراه الجاهلية أمراً محالاً وغير معقول وحتى جنوني.

الردّ على إشكال مهم

قد يرى البعض أنّ هناك إشكالاً مهماً يمكن طرحه بهذا الخصوص وهو : هناك بون شاسع بين حياة الإنسان بعد الموت وتجديد الحياة بالنسبة للأرض الميتة في فصل الربيع ، لأنّنا نعلم أن ليس هنالك من موت حقيقي بالنسبة لمثال الأرض والنبات ، كل ما هنالك ، هو إندثار لجذوة الحياة ، فالأشجار لن تموت قط في فصل الشتاء ، بل هناك سبات ، بينما بصيص الحياة موجود في جوف الجذر والغصن والساق ، ومن هنا فهي تفرق عن الشجرة الجافة واليابسة ، أضف إلى ذلك هناك موت ظاهري للأرض لا واقعي حيث هنالك البذور الحيّة للنباتات التي تتخللها فإذا توفر المحيط اللازم أخذت بالنمو والظهور ، فلو خلت تلك الأرض من البذور لما دبّت فيها الحياة ولو هطل عليها المطر لآلاف السنين وهذا يختلف تماماً والموت الحقيقي لبدن الإنسان.

وللإجابة على هذا الإشكال لابدّ من الإلتفات إلى أمرين :

١ ـ لابدّ من التوقف عند بذرة النبات أو نواة الشجرة بفضلها خلية حيّة

__________________

(١) سورة الحج ، الآية ٥ ـ ٦.

٨٤

ليس أكثر فكيف تتبدل إلى مئات الأغصان والسيقان والجذور والأوراق الحيّة؟ ألم تنبثق من هذه الأتربة الهامدة الميتة وذرات الأرض وقطرات الماء واوكسجين الهواء وهيدروجينه وكل هذه المواد أموات عالم الطبيعة ، لتشكل نفسها وتصنع كائنات حيّة من تلك الموجودات الميتة؟ أو لم تكن هذه الشجرة وذلك البرعم والنبات الذي يحركه هبوب الرياح وما إلى ذلك ، ألم تكن كل هذه الأشياء لبضعة أيام أو عدّة شهور قبل تلك الذرات الميتة الهامدة في التراب وقد أصبحت اليوم بهذا الشكل؟

أفنجانب الواقع بأن قلنا الأرض الميتة قد تبدلت إلى أرض حية؟ جدير بالذكر هو أنّ القرآن الكريم لايقول الأشجار الميتة تصبح حيّة (لأنّها لم تمت) بل يقول : الأرض الميتة وذرات التراب تصبح حيّة!

٢ ـ لو ألقينا نظرة على بداية إنبثاق الحياة في الكرة الأرضية ، لأتضحت المسألة أكثر فأكثر ، لأنّ الأرض كانت محرقة في البداية ولم يكن فيها أي كائن حي ، ثم بدأ عصر السيول والأمطار ، واتحد عنصر الهيدروجين الخانق بالاوكسجين وأخذت السيول والامطار تضرب الأرض لملايين السنين حتى بردت واستوت ، فلما توفر المحيط اللازم للحياة ، دبّت فيه بدايات الحياة وظهرت من تلك المواد الميتة للأرض بطريقة تنطوي على الأسرار التي ما زالت خافية على العلماء ، وهكذا إكتسبت تلك الأرض الميتة الحياة.

* * *

٨٥
٨٦

معاد الطاقة وقيامتها

الطريق الثالث :

* إنّنا نرى بأم أعيننا قيامة كلما أشعلنا كبريتاً وتحررت منه طاقة حرارية خاصة ، فالحرارة التي ربّما إنفصلت عن الشمس قبل خمسين سنة وقد ظن الجميع أنّها فنت ، بينما إدخرت بصورة خفيفة في جوف عود الثقاب وقد قامت قيامته الآن.

* والطاقة الحرارية المنبعثة من قطرة النفط أو البنزين التي نشعلها قد تكون إنفصلت عن الشمس قبل ملايين السنين ، وقد أودعت بشكل في أعماق تلك المواد وننظر الآن إلى قيامتها.

* كيف يشير القرآن في بحث المعاد من أجل رسم صورته في هذه الدنيا ويجسد قيامة الطاقة أمام أعيننا بمثال رائع!

عليك بالدقّة في مطالعة هذا البحث.

إنّ الشمس هي مصدر جميع الطاقات الموجودة على الأرض (سوى الطاقة الذرية) ، ويخلو هذا الكلام من أي إستغراق أو مبالغة بل هو واقع قائم.

على سبيل المثال لو تأملنا جميع المصادر المنتجة للطاقة من قبيل

٨٧

الفحم الحجري والطاقة الكهربائية والرياح والحيوانات والإنسان والكائنات الحيّة لاكتشفنا أنّ المصدر الأصلي لها هو ضوء الشمس.

١ ـ «الفحم الحجري» كما يفهم من إسمه المتبقي من غابات وأشجار العصور والقرون السابقة وقد دفن في أعماق الأرض بفعل مختلف الحوادث التي مرّت على الأرض ، وقد تحولت إلى فحم أسود إثر ظروف معينة وبمرور الزمان ، وسنقف قريباً أنّ الطاقة المخزونة فيها من ضوء الشمس.

٢ ـ «النفط» تفيد آخر النظريات أنه ما يتّبقى من الحيوانات البحرية الصغيرة والكبيرة للعصور السالفة وقد دفن في الأرض إثر تغير الظروف الجوية ، ثم تبدلت جسيماته بعد سلسلة من الأفعال والانفعالات المختلفة والقدرة الخلاقة العجيبة إلى هذا الذهب الأسود المذاب والذي يقال له آلاف المشتقات التي يفوق كل واحد منها الآخر ، وسندرك عمّا قريب أنّ ضوء الشمس هو مصدر ظهور الحيوانات والمواد المنتجة للطاقة في بدنها.

٣ ـ «التوربينات والمولدات الكهربائية» إمّا أنّها تتحرك بواسطة ضغطماء الشلّالات والسدود ، وإرتباطها بضوء الشمس ـ بصفته عامل تبخير مياه البحار وتكوين الغيوم ونزول الأمطار ـ واضح ، أو بواسطة المواد النفطيةوأمثالها والتي مرّ علينا استمدادها للطاقة من ضوء الشمس.

٤ ـ «حركة الرياح» التي تكون عاملاً لحركة بعض الأجهزة الصغيرة كالسفن الشراعية ، وهي ترتبط أيضا بضوء الشمس الذي يسبب إشعاعه على النقاط المختلفة للكرة الأرضية اختلاف درجة الحرارة ، ونعلم أنّ اختلاف درجة حرارة نقطتين من الكرة الأرضية يؤدّي إلى هبوب الرياح.

٥ ـ «الحيوانات» والتي تعتبر من مصادر الطاقة ، مغ ذلك لايمكنها العيش دون «النباتات» ، لأنّ كل حيوان ـ عادة ـ إمّا يتغذى على النباتات أو

٨٨

على لحوم الحيوانات الآكلة للنباتات ، ولا يستثنى من هذا القانون حتى الحيوانات البحرية التي تتغذى على أصغر النباتات البحرية.

٦ ـ لايمكن تنمية النباتات والأشجار دون الاستفادة من ضياء الشمس ـ سواء بصورة إشعاع مباشر أو غير مباشر ـ ومن هنا تنعدم النباتات في أعماق البحار (لأعماق تتجاوز الستمئة متر) وذلك لعدم وصول ضياء الشمس إليها.

طبعا يمكن العثور على بعض الموارد النادرة للطاقة والتي لا تستندفيها إلى ضوء الشمس ، من قبيل الطاقة الحاصلة من ظاهرة المد والجزر في البحار بواسطة جاذبية القمر والتي يستفاد منها أحياناً من أجل السقي وإنتاج الكهرباء ، وكذلك الطاقة الناشئة من البراكين وأمثالها ، إلّاأنّ هذه الموارد نادرة جدّاً كما ذكرنا.

* * *

حرارة النار من الشمس!

صحيح ما يقال أنّ حرارة النار من ذاتها ، فحيثما كانت النار ، كانت الحرارة والحرقة ، فإن سلبت حرارتها وحرقتها لم تعد ناراً ، وكما يقال فإنّ هذه الكيفية تعتبر من الخواص الذاتية للنار.

ولكن إن نظرنا من جانب آخر إلى هذه الحرارة فإنّها كانت يوماً في مركز الشمس وقد إنتقلت إلى الأرض بواسطة إشعاعها لتستقر بطريقة غير معلومة في جوف جذوع النخل ولم تطفىء جذوتها بفعل مرور الأشهر والسنوات ونزول مالايحصى من الأمطار ، وبعبارة أخرى لو بعث عود الثقاب بشعلة من النار خارجاً ، أو إذا إنتشرت طاقة حرارية خارقة اثر حريق هائل

٨٩

في غابة أو مخزن ضخم من الأخشاب فانّها تفقد دفعة واحدة إلى الخارج كل ما إختزنته تدريجياً من ضوء الشمس خلال عشرات أو مئات أو آلاف السنين ، أمّا كيفية ذلك فهو أنّ هناك قانونين في علم الكيمياء يوضحان حقيقة الموضوع المذكور ، وهو أنّ أي تركيب أو تحليل كيميائي لايخرج عن حالتين إمّا إكتساب أو فقدان الطاقة.

فمثلاً إذا أردنا أن نحصل على بضع قطرات من الماء ، لابدّ أن نمزج مقداراً من الهيدروجين والاوكسجين في زجاجة محكمة وجافة ، إلّاإنّنا نشاهد عدم تركبها وإتحادهما لتكوين الماء ، فإن أشعلنا عود ثقاب وقربناه من فوهة الزجاجة لسمعنا صوتاً عظيماً يشبه صوت إنفجار المواد المنفجزة ، فيتحد هذان العنصران مع بعضها وتظهر قطرات الماء على جوانب الزجاجة.

ومن هنا نستنتج أنّ الماء يساوي الحرارة بالاضافة إلى الاوكسجين والهيدروجين ، يمكن أن نتحفظ بذلك الماء في قنينة محكمة لسنوات ، وأمّا إن أردنا تحليل ذلك الماء في جهاز تحليل فاننا سنحصل على نفس نسبة الهيدروجين والاوكسجين بالاضافة إلى الحرارة التي يمكن تحسسها من خلال جهاز التحليل.

ونقول في الصورة الأولى : إنّ مركبنا الكيميائي قد إكتسب طاقة ، ونقول في الصورة الثانية : إنّ تحليلنا الكيميائي قد فقد طاقة ، ونعود الآن لدراسة «أخشاب الأشجار» حيث تفيد المطالعات الكيميائية أنّها مركبة من اوكسجين وهيدروجين وكاربون ومقداراً من الأملاح المختلفة ، وكما نعلم فإنّ الأملاح مأخوذة من الأرض ، والهيدروجين والاوكسجين من الماء ، وأمّا الكاربون فمن الهواء ، لأنّ أحد الغازات الموجودة في الهواء هو غاز

٩٠

الكاربون الذي يتكون من إتحاد الاوكسجين بالكاربون ، فتقوم خلايا الأشجار في ظل ضوء الشمس بتحليل هذا الغاز فتأخذ الكاربون وتطرح الاوكسجين (ومن هنا نقول أنّ الأشجار تنّقي الهواء وتزودنا بالاوكسجين ، كما تمنح الغابات وخضرة حدائق المدن الإنسان النشاط والحيوية).

ولكن لاينبغي نسيان قولنا «في ظل ضوء الشمس» ومرادنا من ذلك أنّه حين إنبات الشجرة وتشكيل السليلوز النباتي فانّ هناك مقداراً من الطاقة الشمسية التي تدّخر في الشجرة أيضاً ، فمن الطبيعي أن تنبعث تلك الحرارة المدخرة من الشمس لسنوات ضمن عمل الكربنة حين إحراق الشجرة وتحللها إلى اوكسجين وهيدورجين (يعني ماء) وتحرير الكاربون وإتحاده بالاوكسجين.

* * *

وفي الختام لابدّ من الإلتفات إلى هذه النقطة وهي أنّ الشجرة تقوم بعمل الكربنة وإدّخار ضوء الشمس مادامها خضراء حيّة ومصداق «للشجر الأخضر» أمّا إن جفت فليس لها مثل ذلك العمل.

* * *

والآن بعد أن إتضح هذا البحث ، نعود إلى القرآن الكريم لنرى كيف يجسد لنا معاد وقيامة الطاقة بهذا المثال.

* * *

٩١
٩٢

قيامة الطاقة بعد موتها

إن إشعال عود الثقاب والكوّر العظيمة التي تشعل بالأخشاب أو بالفحم الحجري تمثل كل منها إنبعاث وقيامة القيامة ، كيف طرح القرآن هذه الحقيقة بعبارات قصيرة؟

الحديث عن صور متنوعة للعودة إلى الحياة في هذا العالم والتي نراه بأعيننا أو نمر عليها بينما لا ندقق فيها.

القرآن الكريم من جانبه وبعباراته القصيرة البعيدة المعاني يدعو الناس إلى التمعن في مظاهر القيامة المذهلة ، ومن ذلك تجدد حياة الطاقة التي يفيد ظاهرها الموت.

فقد أثبتنا في البحث السابق بالأدلة الواضحة أنّ كافة الطاقات الموجودة على الأرض ـ سوى الطاقة النووية ـ إنّما تستند إلى «ضوء الشمس» ، فمثلاً حين يحرق الخشب والحطب وأوراق الأشجار اليابسة فإنّ الحرارة والضوء المنبعث منها هو عبارة عن الحرارة والضوء التي خزنتها تدريجياً لسنوات طويلة من الشمس ، وهي تفقدها الآن جميعاً خلال لحظة واحدة أو عدّة ساعات وكأنّها قد جرت إلى عرصة القيامة ، نعود الآن إلى القرآن الكريم لنرى كيف يبحث هذه المسألة. فقد ورد الحديث ضمن

٩٣

الآيات الأخيرة من سورة يس الآية ٨٠ مواصلة للبحث بشأن القيامة والمعاد : (الَّذي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً فَاذَا انْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ). ويالها من عبارة عجيبة رائعة! وما ينبغي الإلتفات إليه هنا هو أنّ لهذه الآية كسائر الآيات القرآنية عدّة معاني : بعضها «بسيطة» ليفهمها عامة الناس وفي كل عصر ومصر ، وبعضها الآخر «عميقة» للخواص ، وأخيراً «عميقة جدّاً» للنخبة من الخواص ، أو للعصور والقرون القادمة (بالنسبة لزمان نزول الآية).

المعنى الأول للآية الذي أشار إليه بعض قدماء المفسّرين هو أنّ العرب في العصور القديمة كانت تستفيد من بعض أخشاب الأشجار الخاصّة مثل «المرخ» و«العفار» (١) التي تنبت في صحاري الحجاز من أجل إشعال النار ، فقد أشارت الآية إلى اولئك بالقول : أنّ الله القادر على الإتيان بالنار من الماء (فالقسم الأعظم من الشجر الأخضر هو الماء) قادر أيضاً على خلق الحياة من باطن الموتى! أو ليس بعد «الماء» عن «النار» شبيه ببعد «الحياة» عن «الموت»؟!

فمن يأتى بالنار من الماء ، ويحفظ الماء في جوف النار ، لا يتعذر عليه إفاضة الحياة على بدن الإنسان بعد موته.

وإذا تقدمنا أكثر نرى أنّ مسألة خاصية إشعال النار بواسطة أخشاب الأشجار لايقتصر على تلك الأخشاب المعروفة بالمرخ والعفار ، بل تلك الخاصية موجودة في جميع الأشجار ـ وإن كانت تلك الأخشاب المعروفة تتصف ببعض الخصائص والمواد التي تجعلها أكثر إستعداداً لذلك العمل

__________________

(١) المرخ بالفتح والسكون والعفار بالفتح نوعان من الخشب يجعل الأول تحت الثاني فاذا دلكا خرجت منهما النار.

٩٤

من غيرها ـ بحيث تولد النار إن دلكت بإحكام مع بعضها.

ولهذا السبب تحدث أحياناً الحرائق الهائلة الواسعة في الغابات دون أن يكون للإنسان أي دخل فيها ، ولم تكن النار إلّا وليدة الرياح التي ولدت إحتكاكاً بين أغصان الأشجار اليابسة فانبعثت منها ، ثم أسهمت إستمرارية الرياح في إتساع رقعة النار وإنتشارها ، وهذه هي الجدحة الكهربائية التي تظهر إثر الإحتكاك ، وهي تلك النار الكامنة في الواقع في مركز كافة ذرات كائنات العالم (حتى في الأشجار والمياه) وتبرز في الظروف المعينة ، فتنبعث «النار» من «الشجر الأخضر»!

يبدو هذا المعنى أوسع حيث يجسد لنا جمع الأضداد في الخليقة ويدل على البقاء في الفناء.

أمّا التفسير العميق الذي توصلنا إليه بفضل العلوم المعاصرة فهو عودة الطاقة المدخرة لضوء الشمس حين تركيب السليلوز النباتي (من الكاربون والاوكسجين والهيدروجين) والتي تنبعث عند إحراق الخشب والحطب وتحليل السليلوز وتركيب كاربونه باوكسجين الهواء وهذا هو الضوء والحرارة اللطيفة التي تفيض الدفىء في فصل الشتاء في ذلك الكوخ وسط القرية وتضيئه ، فقد قامت قيامتها ، وهو يفقد الآن كل ما إختزنه من حرارة طيلة عمر دون أي نقص ، بحيث لم ينقص منها حتى إشعال شمعة في لحظة (عليك بالدقة).

لا شك أنّ هذا المعنى لم يكن متصوراً حين نزول الآية من قبل عامة الناس ، ولكن كما قلنا فإنّ هذا الأمر ليس مدعاة لأية مشكلة ، لأن لآيات القرآن عدّة معان تختلف باختلاف المستويات وتبعاً للإدراكات في العصور والقرون المختلفة. فمن عاصر القرآن كان يفهم شيئاً منه ، وتفهم اليوم نحن شيئاً أكثر من ذلك.

٩٥

نقطتان مهمتان

هناك تعبيران في هذه الآية هما أكثر إنسجاماً مع التفسير الأخير.

١ ـ النقطة الأولى أنّ القرآن قال : (فَاذَا انْتُمْ مِنْهُ تُوِقدُونَ)

«توقدون» من مادة «وقود» وهو عود الثقاب والكبريت يطلق عليه في العربي الزناد ، وبناءاً على هذا فالقرآن الكريم يعرض صورة حول قدرة الله على الإتيان بالضوء والحرارة من الأشجار الخضراء ، وهي نفس القدرة التي تفيض الحياة على الموتى. وهو الكلام الذي ينطبق تماماً على قيامة الطاقة (إنبعاثها) ، وما ذكره المفسرون بشأن أشجار النار «المرخ» و«العفار» أنسب للزناد ، والحال عبرت الآية بالوقود لا الزناد.

٢ ـ النقطة الأخرى التعبير «الشجر الاخضر» الذي يبدو غير ممكناً للوهلة الأولى لدى الذهن بالإتيان من النار من الخشب الأخضر ، فما أحراه لو قال «الشجر اليابس» ليكون أكثر إنسجاماً مع هذا المعنى ، ولكن لاينبغي الغفلة عن قضية وهي أنّ الشجر الأخضر وحده الذي يستطيع القيام بعمل الكربنة وإدخار الضوء وحرارة الشمس ، أمّا الشجر اليابس فلو عرض مئة سنة للشمس لما وسعه إدخار ذرة من طاقتها الحرارية ، فيقتصر ذلك الأمر الأشجار الحيّة والخضراء القادرة على القيام بذلك العمل ، وعليه فالشجر الأخضر لوحده الذي يمدنا بالنار وهو بمثابة مخزن للطاقة ، حيث يحتفظ بالحرارة والضوء بطريقة معيّنة في خشب البارد والرطب ، وأمّا إن تيبست هذه الأشجار وجفت فقد عطلت فيه عملية الكربنة وإدخار الطاقة.

كان ذلك صورة لقيامة الطاقة في القرآن الكريم ، والذي يمثل من جانب آخر معجزة علمية لهذا الكتاب السماوي الخالد.

* * *

٩٦

لم القيامة ليست ممكنة؟

الطريق الرابع :

لقد تناولنا بالدرس لحدّ الآن المنطق القرآني العميق بشأن الحياة بعد الموت من خلال ثلالة طرق هي :

١ ـ كيفية الخلق الأول.

٢ ـ القيامة العامة لعالم النباتات التي نراها مراراً بأعيننا.

٣ ـ قيامة الطاقة حتى بشأن الموجودة الخالية من الروح ظاهريا!

ونخوض الآن في الطريق الرابع وهو التوجه لمظاهر قدرة اللّة سبحانه في عالم الوجود : ورد في الآية ٣٣ من سورة الأحقاف : (أَوَ لَمْ يَرَوُا أنَّ اللهَ الَّذي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحيىَ الْمَوتى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَديِر)

* * *

رؤيتنا لهذا العالم

عبرنا في إحدى سفراتنا الصيفية من وسط غابة ، فطالعنا المشهد الطبيعي الرائع للغابة والأشجار الهادئة الطافحة بالأسرار ، وزمزمة أوراق

٩٧

الأشجار التي تعبث بها الرياح ، كانت هناك الحيوانات والحشرات والطيورولكل مميزاته وحكايته الطويلة الخاصّة به ، كان كل ذلك يثير فينا نحن الضيوف العابرون دافع الحيوية والنشاط ، ولاسيّما في ظل التعب والأرهاق الذي عانينا منه بسبب حياة المكننة المعاصرة ، فقد عدنا إلى أحضان الطبيعة ، الطبيعة التي ملأت بالطائف والظرائف الجميلة التي تبعث الحياة والسرور في أرواحنا الهامدة ، وذلك لأنّ الخطوط والنقوش والمشاهد والمناظر كانت معروفة ومألوفة لأرواحنا ، لا من قبيل المناظر المصنوعة التي تفقد الروح والحركة.

طبعاً كل ما شاهدناه هو حكاية الغابة اليوم ، والحال قد يكون لهذه الغابة تاريخ عريق بما يمتد إلى مئات ملايين السنين ، ولعلها تستمر في المستقبل ويمرّ عليها مثل هذه المدّة ، إن لم تأتي عليها الحياة التكنولوجية المعاصرة الخشنة والحافة «والقاتلة» لتحيلها إلى خراب دائم.

لعل هذه الشجرة الماثلة أمامنا الآن ويبدو لها ثلاثين سنة قد ولدت مئات الآلاف من المرات لحدّ الآن ، فقد ماتت وتعفنت وأصحبت تراب ، ثم دبّت فيها الحياة من جديد من خلال بذرة صغيرة فانجذبت لجذورها واستأنفت حياتها ، ولايعلم كم مرّة ستتكرر عليها صورة الحياة والموت في المستقبل.

لو شبهنا مجموعة عالم الوجود بتلك الغابة لكانت منظومتنا الشمسية إحدى أشجارها وكرتنا الأرضية أحد أغصانها ، ومن الممكن أن تكون هذه المنظومة وهذه الكرات أن تكون قد توفت وولدت آلاف المرات ، فقد تعفنت وتلاشت ثم إستعادت حياتها من جديد على غرار تلك الشجرة في الغابة ـ أو لم يصرّح الجيوفيزيائيون بشأن الانطفاء التدريجي للعالم وظهور

٩٨

حالة البرودة والرتابة فيه ومن ثم تجدد الحياة بانفجار جدحة عظيمة أخرى في مركز ذلك العالم الذي لاروح فيه ، ففي الحقيقة إنّ حياتنا ليست بعيدة الشبه عن حياة حفنة من الكائنات الحيّة المجهرية على ورقة طافية وسط محيط عظيم ، كل الذي نراه هو أمواج تعبث بشراعنا يميناً وشمالاً ، غير أنّه ليس من الواضح لدينا أنّ هذه الأمواج تنطلق من أية نقطة في المحيط.

وبناءاً على هذا فما نورده بشأن عظمة عالم الوجود إنّما يمثل قبس صغير لا يعد شيئاً إزاء سعة الوجود ، فهو على درجة من الصغر يصعب حتى تصورها.

* * *

إلّا أن نفس هذا القبس الصغير هو عظيم للغابة ومحيّر ، وهو لوحة رائعة ومذهلة في عظمتها وبنيتها.

نعلم أنّ أبعاد هذا العالم في الماضي خمنت بثلاثة آلاف مليون سنة ضوئية (ذلك المقياس الفضائي الذي تبلغ سنته مالايحصى ويقدر مقارنة بوحدات القياس الأرضية) ، ولكن إصطدم أحد العلماء أخيراً في إحدى مطالعاته بكوكب أو منظومة في الجانب الآخر من المجرّات محتملاً أنّها تبعد عنّا مسافة ١٢ ميلون سنة ضوئية! وإن إدعى هذا العالم أنّ الفضاء بعد ذلك الكوكب يغط في ظلمة «العدم» ، وليس ورائه شيء ، إلّاأنّ الأفضل أن نقول : في ظلمة «جهلنا وقلّة معرفتنا» ، وكما تضاعفت آفاق العلم خلال بضع سنوات ، فلعلها تزداد بنفس هذه النسبة خلال السنوات القادمة وكذلك ....

وفي هذا العالم العظيم يوجد كل نوع من أنواع الموجودات والكائنات التي يمكن أن نتصورها ، فهناك الحياة في صور مختلفة ومتنوعة بأجهزة

٩٩

وإمكانات غاية في الاختلاف ، حتى قال العلماء بأنّ كرتنا الأرضية لوحدها وفي مجال الحشرات تضم أكثر من مئتي ألف نوع تختلف عضوية أبدانها تماماً عن بعضها البعض الآخر ، وإن قبلنا ما أورده علماء الطبيعة أنّ في المجرّة التي تعتبر منظومتنا الشمسية جرحاً بسيطاً فيها مئات ملايين الكوالكب المأهولة ، مع سائر الكائنات الحيّة المتنوعة الاخرى ، حتى يستحيل علينا تصور أطوار الحياة وكيفية ممارستها من قبل الكائنات ، وهذا ما يقودنا إلى إدراك التنوع العجيب للحياة في هذا العالم.

وهنا نتأمل قول القرآن الكريم : (اوَ لَمْ يَرَوْا انَّ اللهَ الَّذي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى انْ يُحيىَ الْمُوتى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَديِر) (١)

وهل إحياء الموتى شيء أرفع وأهم وأعقد من ظهور هذه العوالم الواسعة بكائناتها المتنوعة؟

حقاً لايرى ذلك صعباً إلّا من غرق في ذاته وقدرته المحدودة الزهيدة ، بينما العلماء الذين ينظرون بآفاق واسعه إلى عالم الوجود ويقفون على مدى العجائب التي تكتنفه ، فهم يرون بساطة عودة الإنسان إلى تلك الحياة بعد الموت.

وهذا ما صرح به القرآن الكريم بصيغة أخرى فقال :

(انَّما امْرُهُ اذَا ارادَ شَيْئاً انْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* فَسُبْحانَ الَّذي بِيَدهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٢)

فالآيتان وبالالتفات إلى الآيات السابقة تثبتان إمكانية القيامة عن طريق عمومية قدرته سبحانه وتعالى.

* * *

__________________

(١) سورة الاحقاق ، الآية ٣٣.

(٢) سورة يس ، الآية ٨٢ ـ ٨٣.

١٠٠