الدلالة ، ولأبصر الشىء أكبر مما يبصر ، حتى كان يمكن أن تبصر نملة فى السماء.
وهذا كلام باطل ، فليس إذا أوجب رقته زيادة ، يجب أن يكون عدمه يزيد أيضا فى ذلك ، فإن الرقة ليس هى طريقا إلى عدم الجسم. وأما الخلأ فهو عدم الجسم عندهم ، بل لو كان الخلأ موجودا لما كان بين المحسوس والحاس المتباينين موصل ألبتة ، ولم يكن فعل ولا انفعال ألبتة.
ومن الناس من ظن شيئا آخر وهو أن الحاس المشترك أو النفس متعلق بالروح ، وهو جسم لطيف ، سنشرح حاله بعد ، وأنه آلة الإدراك ، وأنه وحده يجوز أن يمتد إلى المحسوسات فيلاقيها أو يوازيها أو يصير منها بوضع ذلك الوضع يوجب الإدراك.
وهذا المذهب أيضا فاسد ، فإن الروح لا يضبط جوهره إلا فى هذه الوقايات (١) التى تكتنفه ، وأنه إذا خالطه شىء من خارج أفسد جوهره مزاجا وتركيبا. ثم ليس له حركة انتقال خارجا وداخلا ، ولو كان له هذا
__________________
حتى كان يمكن ابصارنا النملة على السماء ، لا بما ذكروه فى جوابه بانّ هذا باطل فليس اذا اوجب رقة المتوسط زيادة قوة فى الابصار لزم ان يكون عدمه يزيد ايضا فى ذلك فان الرقة ليست طريقا الى عدم الجسم ، لأنّ اشتراط الرقة فى الجسم المتوسط لو كان لاجل ان لا يمنع نفوذ الشعاع فصح انه اذا كان رقة الجسم منشأ سهولة النفوذ كان عدم الجسم فيما بين اولى فى ذلك وكانت الرقة على هذا التقدير طريقا الى العدم ، بل فساده لانه لو لم يكن بين الرائى والمرئى امر وجودى متوسط موصل رابط لم يكن هناك فعل وانفعال. »
(١) تلك الوقايات هى اوعية الروح ولكن كل وعاء ليس بواق كالغدير للماء فان الماء لا يفسد بالخروج عنه بخلاف الروح وتلك الاوعية ولذا عبر عنها بالوقايات اى الواقيات.
