وذلك لأنه يأخذها عن المادة بحيث لا تحتاج فى وجودها فيه إلى وجود مادتها ، لأن المادة وإن غابت عن الحس أو بطلت ، فإن الصورة تكون ثابتة الوجود فى الخيال ، فيكون أخذه إياها قاصما العلاقة (١) بينها وبين المادة قصما تاما (٢) ، إلا أن الخيال لا يكون قد جردها عن اللواحق المادية ، فالحس لم يجردها عن المادة تجريدا تاما ولا جردها عن لواحق المادة. وأما الخيال فإنه قد جردها عن المادة تجريدا تاما ، ولكن لم يجردها ألبتة عن لواحق المادة ، لأن الصورة التى فى الخيال هى على حسب الصورة المحسوسة ، وعلى تقدير مّا وتكيّف مّا ووضع مّا. وليس يمكن فى الخيال ألبتة أن تتخيل صورة هى بحال يمكن أن يشترك فيها جميع أشخاص ذلك النوع ، فإن الإنسان المتخيل يكون كواحد من الناس ، ويجوز أن يكون ناس موجودين ومتخيلين ليسوا على نحو ما تخيّل الخيال (٣) ذلك الإنسان (٤).
وأما الوهم فإنه قد يتعدى قليلا هذه المرتبة فى التجريد ، لأنه ينال المعانى التى ليست هى فى ذاتها بمادية ، وإن عرض لها أن تكون فى مادة. وذلك لأن الشكل واللون والوضع وما أشبه ذلك أمور لا يمكن أن تكون إلا لمواد جسمانية وأما الخير والشر والموافق والمخالف وما أشبه ذلك ، فهى أمور فى أنفسها غير مادية ، وقد يعرض لها أن تكون مادية. والدليل على أن هذه الأمور غير مادية ، أن هذه الأمور لو كانت بالذات مادية لما كان
__________________
(١) اى العلاقة التى بينها ...
(٢) فى تعليقة نسخة : فحضور المادة لا يكون شرطا فى ادراكه.
(٣) خيال ، نسخة.
(٤) فى تعليقة نسخة : بل يكونون على شكل آخر وكيف آخر فلا يكونون مشتركين فيما يخيل خيال ذلك الانسان.
