وأنت تعلم أن الحس يمنع النفس عن التعقل ، فإن النفس إذا أكبّت على المحسوس شغلت عن المعقول من غير أن يكون أصاب آلة العقل أو ذاتها (١) آفة (٢) بوجه ؛ وتعلم أن السبب فى ذلك هو اشتغال النفس بفعل دون فعل ، فكذلك الحال والسبب إذا عرض أن تعطّلت (٣) أفعال العقل عند المرض.
ولو كانت الملكة العقلية المكتسبة قد بطلت وفسدت لأجل الآلة ، لكان رجوع الآلة إلى حالها يحوج إلى اكتساب من الرأس (٤). وليس الأمر كذلك ، فإنه قد تعود النفس إلى ملكتها وهيئتها عاقلة بجميع ما عقلته بحالها إذا عاد البدن إلى سلامته ، فقد كان إذن ما كسبته موجودا معها بنوع مّا إلا أنها كانت مشغولة عنه.
وليس اختلاف جهتى فعل النفس فقط يوجب فى أفعالها التمانع ، بل تكثّر أفعال جهة واحدة قد يوجب ذلك بعينه. فإن الخوف يغفل عن الوجع والشهوة تصدّ عن الغضب ، والغضب يصرف عن الخوف ، والسبب فى جميع ذلك واحد وهو انصراف النفس بالكلية إلى أمر واحد.
فبين من هذا أنه ليس يجب إذا لم يفعل شىء فعله عند اشتغاله بشىء أن لا يكون فاعلا فعله إلا عند وجود ذلك الشىء المشتغل به.
ولنا أن نتوسع فى بيان هذا الباب ، إلا أن الإمعان فى المطلوب بعد
__________________
(١) او ذاته ، نسخة.
(٢) فاعل أصاب.
(٣) فاعل عرض.
(٤) رأس ، نسخة.
