وأما الظلمة فهى حال أن لا ترى شيئا وهو أن لا تكون الكيفيات (١) التى إذا كانت موجودة فى الأجرام التى لا تشف صارت مستنيرة فهى مظلمة (٢) ، وبالقوة فلاتراها ، ولا ترى الهواء فيتخيل لك ما يتخيل لك إذا غمضت عينيك وسترتهما فتتخيل لك ظلمة مبثوثة تراها ، كما يكون من حالك وأنت محدّق (٣) فى هواء مظلم وليس كذلك ، ولا أنت ترى وأنت مغمض هواء مظلما أو ترى ما ترى من الظلمة شيئا فى جفونك إنما ذلك أنك لا ترى.
وبالجملة فإن الظلمة عدم الضوء فيما من شأنه أن يستنير ، وهو الشىء الذى قد يرى ، لأن النور مرئى وما يكون فيه النور مرئى ، والشاف لا يرى ألبتة ، فالظلمة هى فى محل الاستنارة وكلاهما أعنى المحلين جسم لا يشف. فالجسم الذى من شأنه أن يرى لونه إذا كان غير مستنير كان مظلما ، ولم يكن فيه بالحقيقة لون بالفعل ، ولم يكن ما يظن أن هناك ألوانا ولكنها مستورة بشىء ، فإن الهواء لا يستر وإن كان على الصفة التى يرى مظلما إذا (٤) كانت الألوان بالفعل.
ولكنه إن سمى إنسان الاستعدادات المختلفة التى تكون فى الأجسام التى إذا استنارت صار واحد منها الشىء الذى تراه بياضا والآخر حمرة ألوانا (٥) ، فله ذلك ، إلا أنه يكون باشتراك الاسم. فإن البياض بالحقيقة
__________________
(١) لا تكون الكيفيات اى لا توجد ، فتكون تامة لا ناقصة.
(٢) اى عند عدم الرؤية.
(٣) تحديق : تيز نگريستن.
(٤) قيد لقوله : « لا يستر ».
(٥) مفعول ثان لقوله : « سمّى ».
