وأما حديث الرخم فإنّه قد يجوز أن تكون رياح قوية تنقل الروائح والأنجرة المتحللة عن الجيف إلى المسافة المذكورة فى أعلى الجو فيحسّ بها ما هو أقوى حسا من الناس وأعلى مكانا مثل الرخم وغيره. وأنت تعلم أن الروائح وإن كانت قد تصل إلى كثير من الحيوانات فوق ما تصل إلى الناس بكثير ، فقد تتأدى إليها المبصرات من مسافاة بعيدة وهى تحلّق (١) فى الجو حتى يبلغ إبصارها فى البعد مبلغا بعيدا جدا ، وحتى يكون ارتفاعها أضعاف ارتفاع قلل الجبال الشاهقة. وقد رأينا قلل جبال شاهقة جدا وقد جاوزتها النسور (٢) محلقة ، حتى يكاد أن يكون ارتفاعها ضعف ارتفاع تلك الجبال. وقلل تلك الجبال قد ترى من ست أو سبع مراحل ، وليس نسبة الارتفاع إلى الارتفاع كنسبة بعد المرئى إلى بعد المرئى (٣) ، فإنك ستعلم فى الهندسة أن النسب فى الأبعاد التى منها يرى أعظم وأكبر. فلا يبعد أن تكون الرخم قد علت فى الجو بحيث ينكشف لها بعد هذه المسافة فرأت الجيف ، فإن كان يستنكر تأدى أشباح هذه الجيف إليها
__________________
(١) تحليق الطائر : ارتفاعه فى طيرانه. ص
(٢) نسر : كركس ، ج : نسور.
(٣) الرائى ، نسخة. وفى تعليقة نسخة : « قوله : وليس نسبة الارتفاع الى الارتفاع كنسبة بعد المرئى الى بعد المرئى ، لأنه يمكن أن يكون الارتفاع مثلا عشرة أذرع ويرى بعد المرئى من العمود الخارج عن البصر الى السطح بهذا الارتفاع خمسين ذراعا مثلا. فاذا صار الارتفاع خمسة عشر ذراعا مثلا يرى هذا المرئى بعيدا عن العمود المذكور عشرة اذرع مثلا. فلا تكون نسبة الارتفاع الى الارتفاع كنسبة بعد المرئى من العمود الى بعد المرئى من العمود.
وبيان ما ذكره : ان الابعاد ترى من المواضع البعيدة اقصر فان كل مرئى واقع فى سطح يرتفع عنه البصر فانه يرى اقرب اذا صار البصر ارفع. فليكن السطح « ا ـ ب » ، والمرئى « ب » ، والبصر هو « ه » مرتفع عنه بقدر « ا ـ ج ».
