ومنها : أنّ الفعل تابع للإرادة ، والإرادة ناشئة عن ذاتنا وطينتنا ، وهي لم تفوّض إلينا بل مستندة إلى الله تعالى ، ولازمه الجبر والاضطرار في الفعل. وعن بعض الأعاظم لدفع إشكال استنادها إلى الله : أنّ الذاتي لا يعلّل ، فلم يجعل الله السعيد سعيدا والشقيّ شقيا بل أوجدهما.
والجواب : إنّ السعادة والشقاوة من المقتضي والداعي ، وذاتنا وطينتنا بنفسها أيضا في سلسلة المقتضيات ، والعلة الفاعلية هي ذاتنا بالقدرة الحقيقية الواردة على جميع المقتضيات ، والقدرة تنافي الجبر.
ومنها : ما قالوا من أنّ المشيئة والإرادة الأزلية تعلّقتا بكل شيء ومنه الأفعال ، فيلزم الجبر.
والجواب : إنّ المشيئة والإرادة من صفات الفعل فلا تكونان أزليتين ، وهما تعلّقتا بأفعالنا الاختيارية ، أي بأن يكون صدور الأفعال منّا باختيارنا ، والله تعالى عالم بالعلم الذاتي ، والعلم كاشف عن الواقع ، فلا يلزم الجبر.
ومنها : ما قالوا من أنّ الحبّ للشيء حبّ لآثاره ولوازمه ، والله تعالى أحبّ نفسه ورضي بها ، فأحبّ آثارها ولوازمها ، وهي كل ما يتحقق ، ومنه أفعالنا.
والجواب : إنّه بعد تحقق الفعل عن العبد باختياره وبالقدرة التي ملّكها الله تعالى إيّاه لا يكون ذلك الفعل من لوازم الحقّ تعالى شأنه ، ومع نهيه تعالى عن إيقاعه وإيعاده كيف يصحّ القول بأنّه أحبه ورضي به؟! ففي سورة الزمر : ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) (١).
ومنها : أنّ الاختيار بالداعي اضطرار ، وعن بعض أنّ كل مختار غير الواجب الأول مضطر في اختياره ومجبور في أفعاله (٢).
والجواب : إنّه كذلك لو لا أن تفاض عليه القدرة بعد تحقق الداعي ، وأمّا بعد ورود القدرة عليه ـ كما هو المحقق في الأفعال الاختيارية ، وهي الحجة البالغة ـ فلا.
__________________
(١) الزمر ٧.
(٢) الأسفار ٦ : ٣١٢.
