ومنها : أنّ علمه فعليّ وعلّيّ ، فإنّ علمه عين ذاته التي حيث ذاتها العلية لكل شيء ، فيجب أن يكون علمه أيضا علة لكل شيء ومنه أفعال العباد ، فيجب وقوعها.
والجواب : منع كون ذاته تعالى علة لأفعال العباد الاختيارية ، بل العلة مشيئة العبد القادر عليها بالقدرة التي أعطاها الله إيّاه.
ومنها : أنّ الشيء ما لم يوجد ـ ( بالفتح ) أي ما لم يكن موجودا ـ لم يوجد ( بالكسر ) ، وحيث إنّه لا وجود حقيقي للممكنات في ذواتها فلا إيجاد لها حقيقة ، فيكون الإيجاد مطلقا ـ حتى لأفعال العباد ـ له تعالى شأنه.
والجواب : يظهر مما مرّ من أنّ الإيجاد المخصوص بالله تعالى هو الإيجاد بذاته ، وإيجاد العباد ليس بذواتهم ، بل بالقدرة التي أعطاها الله إياهم.
ومنها : أنّ أفعالنا معلولة لإرادتنا ، والإرادة غير اختيارية ، ولا يجوز العقاب على أمر غير اختياري.
والجواب : إنّ الإشكال إنّما يرد لو كانت الإرادة بمعنى الشوق الأكيد ، وكانت هي بهذا المعنى العلّة الفاعلية أو الجزء الأخير منها للفعل ، والأمر ليس كذلك ـ كما مرّ ـ بل الإرادة هو العزم الوارد على الشوق ، المتأخر عنه ، وهو العلة الفاعلية ، والشوق ليس إلاّ المقتضي والداعي ، ولا بأس بانتهائه إلى الله ، بل هو مما يمتحن الله به العباد.
ومنها : أنّ الاختيار ـ أي اختيار الفعل الذي هو علة لوجود الفعل ـ يكون حادثا ، ولا بدّ له من محدث ، ومحدثه إن كان باختيار آخر منّا فيتسلسل الاختيار فينا ، وإن لم يكن باختيار منّا بل بالغير فنحن مجبورون في كل فعل على الاختيار الخاص ، ولا بدّ من انتهاء اختيارنا إلى الاختيار الأزلي فيلزم الاضطرار في الفعل ، ولذا قال بعضهم : نحن مضطرّون بصورة الاختيار.
والجواب : إنّ اختيارنا لكل فعل ـ بمعنى عزمنا عليه ـ نحن محدثوه بالقدرة التي أعطانا الله إياها ، وإلينا ينتهي ، وإلاّ لزم أن يكون اختيارنا هذا باختيار آخر ، فإنّ الفعل الاختياري الصادر منّا في الخارج هو الذي لا بد أن يكون بالاختيار ، وأمّا نفس الاختيار بمعنى العزم عليه فإنّه لا يحتاج إلى اختيار وعزم آخر.
