قباله مسلك القائلين بسبق الأرواح على الأجساد ، مع القول بقدمها زمانا ( وهو قول افلاطون ومن تبعه ). وفي قبال المسلكين ما يظهر من الروايات المباركات من سبقها على الأجساد مع القول بحدوثها زمانا.
وفي جواب قوله أنّه يلزم منه تعدد شخصية الإنسان نقول : إنّ شخص الإنسان عبارة عن روحه وبدنه الواجد لها ، وليست شخصيته إلاّ ذلك ، وأمّا عقله وشعوره فهو من مواهب الله تعالى ، خارج عن ذاته ، قد يعطيه إياه ، وقد يسلبه عنه ، فإذا سلب عنه المعرفة والعقل والشعور فليس معناه انتفاء شخصيته بل يكون حاله كحاله وهو نائم ( فيما إذا لا يرى الرؤيا ولا يدرك في المنام شيئا ) ، فإنّ الإنسان في تلك الحال موجود بشخصيته ، إلاّ أنّه سلب عنه الإدراك ، فلا يلتفت إلى شيء ولو إلى وجوده ، وكذا إذا عرضت له حالات من الإغماء ونحوه.
وفي محل الكلام نقول : لو كان الأمر على ما هو ظاهر من الروايات فأيّ إشكال يلزم على القول بثبوت عالم الذرّ ، كما هو صريح الروايات؟
وهو أنّ الله خلق بدن زيد ـ مثلا ـ في عالم الذرّ في نهاية الصغر بصورة خاصّة ، وتعلق به الروح الخاص ، ووهبه العقل والمعرفة بحيث أدرك نفسه وعرفها بالمخلوقية والحدوث ، وعرف ربه بوضوح وعاينه بما له من المعنى المناسب له ـ وهو ظهور ذاته تبارك وتعالى بنفسه لعبده بلا كيف ، لا بالتصور ، ولا بمعنى الفناء الذي يقولون به ـ فأقرّ به ، وأخذ عليه العهد والميثاق ، وبقي أثر هذه المعرفة والمعاينة في روحه ، ثم سلب عنه العقل والشعور ، وانتقلت الذرّة إلى الأصلاب والأرحام ، ثم في هذه النشأة ينتقل ذلك البدن المشبّه بالذرّ من صلب الأب إلى رحم الام ، وينمو بالتغذية والتربية ، ويسير سيره المشهود ، ويعطيه العقل والشعور ، وقد نسي مواقفة السابقة ، كما أنّ الإنسان في حال الرؤيا ينسى مواقفه في اليقظة ، فكأنّها لم تكن أصلا. وكما أنّه كثيرا ما ينسى ما رآه في المنام مع وحدته الشخصية في كلتا الحالتين.
نعم لو كان المبني هو القول بالحركة الجوهرية ، وأنّ النفس جسمانية الحدوث وروحانية البقاء تحدث بحدوث البدن ثم تتحرك إلى جانب الكمال حتى تتجرد عن
