(رَبِّ الْعالَمِينَ) (٢) أي مالك جميع الخلق ، من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم ، وكل منها يطلق عليه عالم ، يقال : عالم الإنس وعالم الجن ، إلى غير ذلك ، وغلب في جمعه بالياء والنون أولو العلم على غيرهم وهو من العلامة ، لأنه علامة على موجده (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (٣) أي ذي الرحمة وهي إرادة الخير لأهله (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (٤) أي الجزاء وهو يوم القيامة ، وخص بالذكر
____________________________________
الأقاويل هو المعبود للخواص والعوام ، المفزوع إليه في الأمور العظام ، المرتفع عن الأوهام ، المحتجب عن الأفهام ، الظاهر بصفاته الفخام ، الذي سكنت إلى عبادته الأجسام ، وولعت به نفوس الأنام ، وطربت إليه قلوب الكرام.
قوله : (رَبِّ الْعالَمِينَ) الرب يطلق على السيد والمالك والمعبود والثابت والمصلح ، اقتصر المفسر على المالك لكونه المناسب للمقام ، وجمع (الْعالَمِينَ) جمع قلة مع كثرتها جدا في الواقع تنبيها على أنهم وإن كثروا ، فهم قليلون في جانب عظمته. تعالى. إن قلت : الجمع يقتضي اتفاق الأفراد في الحقيقة. أجيب : بأنها متفقة من حيث إن كلا منها علامة على موجدها. قوله : (يقال عالم الإنس) الخ ، الإضافة بيانية أي عالم هو الإنس. قوله : (وغلب في جمعه) الخ ، وقيل : لا تغليب ، بل هو اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين ، وتناوله لغيرهم بطريق التبع. قوله : (أولو العلم) أي لشرفهم. قوله : (وهو) أي العالم ، وهو ما سوى الله تعالى علامة على موجده لأنه حادث ، وكل حادث يحتاج إلى محدث. قوله : (أي ذي الرحمة) أشار بذلك إلى أن (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) بنيا للمبالغة من رحم ، والرحمة في الأصل رقة في القلب ، تقتضي التفضل والإحسان ، وهي بهذا المعنى مستحيلة في حقه تعالى ، فتحمل على غايتها ، لأن ما استحال على الله باعتبار مبدئه ، وورد ، يطلق ويراد منه لازمه وغايته. قوله : (وهي إرادة الخير) الخ ، أشار بذلك إلى أنهما صفتا ذات ، ويصح أن يكونا صفتي فعل ، أي المتفضل المحسن ، وفي الإتيان ب (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) عقب اتصافه ب (رَبِّ الْعالَمِينَ) ترغيب بعد ترهيب ، فيكون أعون للعبد على الطاعة ، وأمنع من المعصية.
قوله : (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) من الملك بضم الميم ، هو عبارة عن السلطان القاهر ، والاستيلاء الباهر ، والغلبة التامة ، والقدرة على التصرف الكلي بالأمر والنهي. قوله : (أي الجزاء) أي بالثواب للمؤمنين والعقاب للكافرين. قوله : (لا ملك ظاهرا فيه لأحد) أي وأما في الدنيا ، ففيها الملك ظاهر لكثير من الناس ، فتحصل أن الوصف بالملكية ثابت أزلا ، وظهوره يكون يوم القيامة ، لإقرار جميع الخلق به. قوله : (لمن الملك اليوم) الجار والمجرور خبر مقدم و (الملك) مبتدأ مؤخر ، و (اليوم) ظرف للمبتدأ ، قوله : (لله) جواب منه تعالى عن السؤال. قوله : (ومن قرأ مالك) الخ ، اعلم أن في لفظ ملك قراءتين سبعيتين ، الأولى بحذف الألف والوصف بها ظاهر ، والثانية : بإثباتها وفيها إشكال ، وهو أن (مالِكِ) اسم فاعل ، وإضافته لفظية لا تفيده التعريف ، فكيف توصف المعرفة بالنكرة؟ وأجاب المفسر : بأن محل كون إضافة اسم الفاعل لفظية إن لم يكن بمعنى الزمان المستمر ، وإلا كانت إضافته حقيقية ، والحاصل : أن اسم الفاعل ، إن قصد به الحال والاستقبال فإضافته لفظية ، وإن قصد به المضي أو الدوام ، كما هو شأن أوصاف الله تعالى ، فإضافته حقيقية ، والتعويل على القرائن ، واختلف في أي القراءتين أبلغ ، فقيل :
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
