ربه ودعه وقلاه (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ) لما فيها من الكرامات لك (مِنَ الْأُولى) (٤) الدنيا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ) في الآخرة من الخيرات عطاء جزيلا (فَتَرْضى) (٥) به ، فقال صلىاللهعليهوسلم : إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار ، إلى هنا تم جواب القسم بمثبتين بعد منفيين (أَلَمْ يَجِدْكَ) استفهام تقريري أي وجدك (يَتِيماً) بفقد أبيك قبل ولادتك أو بعدها (فَآوى) (٦) بأن ضمك إلى عمك
____________________________________
ما جئت حتى اشتقت إليك ، فقال جبريل : إن كنت إليك أشوق ، ولكني عبد مأمور ، وأنزل عليه (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ).
قوله : (وَلَلْآخِرَةُ) اللام للابتداء مؤكدة لمضمون الجملة. قوله : (خَيْرٌ لَكَ) إنما قيد بقوله : (لَكَ) لأنها ليست خيرا لكل أحد ، بل الناس على أربعة أقسام : منهم من له الخير في الدارين ، وهم أهل الطاعة الأغنياء. ومنهم من له الشر فيهما ، وهم الكفرة الفقراء. ومنهم من له صورة خير في الدنيا ، وشر في الآخرة ، وهما الكفرة الأغنياء ، ومنهم من له صورة شر في الدنيا وخير في الآخرة ، وهم الفقراء المؤمنون. قال بعض أهل الإشارات : في الآية اشارة إلى أنه صلىاللهعليهوسلم دائما يترقى في الكمالات إلى غير نهاية ، فمقامه في المستقبل أعلى منه في الماضي وهكذا ، ويدل لذلك أيضا قوله في الحديث : «إني ليغان على قلبي ، فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» فاستغفاره لكونه ارتقى مقاما أعلى من الأول ، فرأى أن الذي انتقل منه بالنسبة للذي انتقل إليه ذنبا.
قوله : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ) (في الآخرة) المناسب أن يبقى على عمومها ، لأن اعطاءه حتى يرضى ، ليس قاصرا على الآخرة ، بل عام في الدنيا والآخرة ، فهو وعد شامل ، لما أعطاه له من كمال النفس وظهور الأمور واعلاء الدين ، ولما ادخر له ما لا يعلم كنهه سواه تعالى ، وقيل : عطاؤه هو الشفاعة ، وقيل : يعطيك ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابها المسك ، وفيها ما يليق بها ، والحق التعميم بما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. قوله : (وواحد من أمتي) أي الموحدين ، فالمراد أمة الإجابة وقد أشار لذلك بعض العارفين بقوله :
|
قرأنا في الضحى ولسوف يعطى |
|
فسر قلوبنا ذاك العطاء |
|
وحاشا يا رسول الله ترضى |
|
وفينا من يعذب أو يساء |
قوله : (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً) الخ ، القصد من هذا تسليته صلىاللهعليهوسلم ليزداد شكرا وصبرا ، والوجود بمعنى العلم ف (يَتِيماً) مفعول ثان ، والكاف مفعوله الأول. قوله : (استفهام تقريري) أي بما بعد النفي. قوله : (بفقد أبيك) مصدر مضاف لمفعوله. قوله : (قبل ولادتك) أي بعد حمله بشهرين ، وقيل قبل ولادته بشهرين ، وقوله : (أو بعدها) أي وعليه فقيل بشهرين ، وقيل بسبعة ، وقيل بتسعة أشهر ، وقيل بثمانية وعشرين شهرا ، والصحيح الأول ، وكانت وفاته بالمدينة الشريفة ، ودفن في دار التبابعة ، وقيل دفن بالأبواء قرية من أعمال الفرع ، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين ، وقيل خمس ، وقيل ست ، وقيل سبع ، وقيل ثمان ، وقيل تسع ، وقيل ثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام ، وكانت وفاتها بالأبواء ، وقيل بالحجون ، ومات جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين ، فكفله عمه أبو طالب ، لأنه كان شقيق أبيه ، وورد أنه لما مات أبواه قالت الملائكة : بقي نبيك يتيما ، فقال الله تعالى : أنا له كافل ، وسئل بعض العلماء : لم يتم صلىاللهعليهوسلم
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
