المحل ، ومن للتبعيض (كانَ مِزاجُها) ما تمزج به (كافُوراً) (٥) (عَيْناً) بدل من كافورا فيها رائحته (يَشْرَبُ بِها) منها (عِبادُ اللهِ) أولياؤه (يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً) (٦) يقودونها حيث شاؤوا من منازلهم (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) في طاعة الله (وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً) (٧) منتشرا (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ) أي الطعام وشهوتهم له (مِسْكِيناً) فقيرا (وَيَتِيماً) لا أب له (وَأَسِيراً) (٨)
____________________________________
لَفِي جَحِيمٍ) وهذا تعريف لمطلق الأبرار ، فلا ينافي قولهم البر هو الذي لا يؤذي الذر ، أو الذي يؤدي حق الله ويوفي بالنذر ، أو غير ذلك ، فإنه تعريف للأبرار الكاملين كما هنا. قوله : (وهي فيه) أي فإن لم تكن فيه فهو إناء. قوله : (والمراد من خمر) دفع بذلك ما يقال : إن الضمير في قوله : (مِزاجُها) عائد على الكأس ، مع أن الكافور لا يمزج بالكأس بل بما فيه ، فأجاب المفسر : بأن المراد بالكأس الخمر نفسه ، من باب تسمية الحال باسم المحل.
قوله : (كافُوراً) إن قلت : إن الكافور غير لذيذ وشربه مضر ، فما وجه مزج شرابهم به؟ أجيب : بأن المراد أنه كالكافور في بياضه وطيب ريحه وبرودته. قوله : (بدل من كافورا) أي على حذف مضاف ، أي ماء عين ، لأن العين اسم لمنبع الماء ، وهو لا يبدل من الماء ، وما ذكره المفسر احد احتمالات في وجه نصب (عَيْناً) ويصح أنه مفعول (يَشْرَبُونَ) قوله : (مِنْ كَأْسٍ) حال لأنه نعت نكرة قدم عليها ، والأصل يشربون عينا من كأس ، أي خمر ممزوج بالكافور وهو أسهلها. قوله : (يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ) الجملة صفة لعينا ، وقوله : (ومنها) إشارة إلى أن الباء بمعنى من الابتدائية ، أي يبتدئون الشرب من العين. قوله : (أولياؤه) أي وهم المؤمنون. قوله : (يقودونها) أي فهي سهلة لا تمتنع عليهم ، ورد : أن الرجل منهم يمشي في بيوته ويصعد إلى قصوره ، وبيده قضيب يشير به إلى الماء ، فيجري معه حيثما دار في منازله على الأرض المستوية ، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلا قصوره.
قوله : (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) هذا بيان لأعمالهم التي استوجبوا بها هذا النعيم الدائم ، والمراد بالنذر العهد أي يوفون بالعهد الذي أوجبه الله عليهم ، أو الذي التزموه مع الله ومع عباده ، من صلاة وزكاة ، وأمر بمعروف ، ونهي عن منكر ، وغير ذلك. قوله : (وَيَخافُونَ يَوْماً) أشار بذلك إلى أن حسن بواطنهم كظواهرهم. قوله : (كانَ شَرُّهُ) أي شدائده ، من تشقق السماوات ، وتناثر الكواكب ، وتكوير الشمس والقمر ، وغير ذلك من الأهوال والشدائد التي تقع في ذلك اليوم. قوله : (منتشرا) أي وأما مستطيل باللام فمعناه الممتد ، ومن هنا يقال : الفجر فجران ، مستطيل كذنب السرحان وهو الكاذب ، ومستطير وهو الصادق لانتشاره في الأفق.
قوله : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ) الخ نزلت في علي بن أبي طالب وأهل بيته ، وذلك أنه أجر نفسه ليلة ليسقي نخلا بشيء من شعير ، حتى أصبح وقبض الشعير ، وطحنوا ثلثه فجعلوا منه شيئا ليأكلوه يقال له الحريرة ، فلما تم نضجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام ، ثم صنع الثلث الثاني ، فلما تم نضجه أتى يتيم فأطعموه ، ثم الثالث فلما تم نضجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه ، وطووا يومهم ذلك. قوله : (عَلى حُبِّهِ) مصدر مضاف للمفعول ، و (عَلى) بمعنى مع ، أي مع حبه وشهوته ، ففيه إيثار على النفس ، ويصح رجوع الضمير لله ، أي على حب الله ، أي لوجهه وابتغاء رضوانه ، والأول ابلغ في المدح.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
