أنكم لا تبعثون ، وهذه حكاية حال تأتي ، عبر عنها بطريق المضي لتحقق وقوعها (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ) من المؤمنين بعقابه كما تقصدون (أَوْ رَحِمَنا) فلم يعذبنا (فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) (٢٨) أي لا مجير لهم منه (قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ) بالتاء والياء عند معاينة العذاب (مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٢٩) بين أنحن أم أنتم أم هم؟ (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً) غائرا في الأرض (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ) (٣٠) جار تناله الأيدي والدلاء كمائكم ، أي لا يأتي به إلا الله تعالى ، فكيف تنكرون أن يبعثكم؟ ويستحب أن يقول القارىء عقب معين : الله رب العالمين ، كما ورد في الحديث. وتليت هذه الآية عند بعض المتجبرين فقال : تأتي به الفؤوس والمعاول ، فذهب ماء عينه وعمي ، نعوذ بالله من الجراءة على الله وعلى آياته.
____________________________________
في (بِهِ) سببية ، والمعنى : فلما رأوا عذاب الآخرة قريبا منهم ، اسودت وجوههم وقال لهم الخزنة : هذا العذاب الذي كنتم بسبب انذاركم وتخويفكم به ، ادعيتم عدم البعث ، وانكرتم البعث. قوله : (وهذه حكاية حال) الخ ، اسم الإشارة عائد على قوله : (فَلَمَّا رَأَوْهُ).
قوله : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ) الخ ، (أَرَأَيْتُمْ) بمعنى أخبروني تنصب مفعولين ، سدت الجملة الشرطية مسدهما ، والمعنى : قل لهم يا محمد ، وكانوا يتمنون موته صلىاللهعليهوسلم : إن أماتني الله ومن معي من المؤمنين بعذابه أو رحمنا ، فلا فائدة لكم في ذلك ، ولا نفع يعود عليكم ، لأنه لا مجير لكم من عذاب الله تعالى. قوله : (كما تقصدون) حذف منه إحدى التاءين ، أي تتقصدون وتنتظرون ، قال تعالى حكاية عنهم (أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ.) قوله : (أي لا مجير لهم منه) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي ، ووضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالكفر.
قوله : (قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ) أي الذي ادعوكم إلى عبادته وطاعته. قوله : (آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا) الحكمة في تأخير مفعول (آمَنَّا) وتقديم مفعول (تَوَكَّلْنا) أن الأول وقع في معرض الرد على الكافرين فكأنه قال : آمنا ولم نكفر كما كفرتم ، والثاني قدم مفعوله لإفادة الحصر كأنه قال : لا نتوكل على ما توكلتم عليه ، من أموال ورجال وغير ذلك ، بل نقصر توكلنا على خالقنا. قوله : (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله : (عند معاينة العذاب) أي في الآخرة. قوله : (أنحن) أشار به إلى أن (مَنْ) استفهامية ؛ و (هُوَ) ضمير فصل ، وجملة الظرف خبر المبتدأ ، والجلة بتمامها سدت مسد المفعولين ، لعلم المعلقة عن العمل بالاستفهام. قوله : (أم أنتم) راجع لقراءة الخطاب ، وقوله : (أم هم) راجع لقراءة الغيبة ، فالكلام على التوزيع. قوله : (إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ) أي الكائن في ايديكم ، وكان ماؤهم من بئر زمزم وبئر ميمون. قوله : (غائرا) أشار بذلك إلى أن المصدر مؤول باسم الفاعل. قوله : (مَعِينٍ) أصله معيون بوزن مفعول كمبيع ، نقلت ضمة الياء إلى العين قبلها ، فالتقى ساكنان الياء والواو ، حذفت الواو وكسرت العين لتصح الياء. قوله : (لا يأتيكم به إلا الله) أي فلم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم به. قوله : (أن يقول القارىء) أي ولو في الصلاة. قوله : (وعمي) عطف تفسير. قوله : (من الجراءة على الله) يقال : اجترأ على القول بالهمز ، اسرع بالهجوم عليه من غير توقف ، والاسم الجرأة بوزن غرفة ، وجراءة بوزن كراهة ، كما قال المفسر ، ويؤخذ منه أن العبد يؤاخذ بالكفر ، ولو على سبيل المزح.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
