أجنحتهن بعد البسط ، أي وقابضات (ما يُمْسِكُهُنَ) عن الوقوع في حال البسط والقبض (إِلَّا الرَّحْمنُ) بقدرته (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) (١٩) المعنى : ألم يستدلوا بثبوت الطير في الهواء على قدرتنا أن نفعل بهم ما تقدم وغيره من العذاب؟ (أَمَّنْ) مبتدأ (هذَا) خبره (الَّذِي) بدل من هذا (هُوَ جُنْدٌ) أعوان (لَكُمْ) صلة الذي (يَنْصُرُكُمْ) صفة جند (مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ) أي غيره يدفع عنكم عذابه ، أي لا ناصر لكم (إِنِ) ما (الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) (٢٠) غرّهم الشياطن بأن العذاب لا ينزل بهم (أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ) الرحمن (رِزْقَهُ) أي المطر عنكم ، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله ، أي فمن يرزقكم ، أي لا رازق لكم غيره (بَلْ لَجُّوا) تمادوا (فِي عُتُوٍّ) تكبر (وَنُفُورٍ) (٢١) تباعد عن الحق (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا) واقعا (عَلى وَجْهِهِ
____________________________________
قوله : (إِلَى الطَّيْرِ) يجمع على طيور وأطيار ، ومفرد الطير طائر ، فطيور وأطيار جمع الجمع. قوله : (صافَّاتٍ) حال ومفعوله محذوف قدره بقوله : (أجنحتهن) وكذا قوله : (وَيَقْبِضْنَ.) قوله : (أي وقابضات) أشار بذلك إلى أن الفعل مؤول باسم الفاعل معطوف على (صافَّاتٍ) والحكمة في تعبيره ثانيا بالفعل ، ولم يقل وقابضات أن الأصل في الطيران صف الأجنحة ، والقبض طائر عليه ، فعبر عن الأصل باسم الفاعل ، وعن الطارىء بالفعل الذي شأنه الحدوث. قوله : (ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ) عبر بالرحمن إشارة إلى أنه من جلائل النعم ، وهذه الجملة مستأنفة. قوله : (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) أي فيعلم الأشياء الدقيقة الغريبة ، فيدبرها على مقتضى ما يريد.
قوله : (أَمَّنْ هذَا الَّذِي) الخ ، سبب نزول هذه الآية وما بعدها ، أن الكفار كانوا يمتنعون من الإيمان ويعاندون رسول الله ، معتمدين على شيئين : قوتهم بالأموال والعدد ، واعتقادهم أن أصنامهم توصل إليهم الخيرات وتدفع عنهم المضرات ، فأبطل الله الأول بقوله : (أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ) الخ ، وأبطل الثاني بقوله : (أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ) الخ ، وأم هنا منقطعة تفسر ببل وحدها لدخولها على من الاستفهامية ، ولا يصح تفسيرها ببل والهمزة ، لئلا يدخل الاستفهام على مثله. قوله : (أعوان) أشار بذلك إلى أن جندا لفظه مفرد ومعناه جمع. قوله : (يدفع عنكم عذابه) تفسير لقوله : (يَنْصُرُكُمْ). قوله : (إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) اعتراض مقرر لما قبله ، والالتفات عن الخطاب للغيبة ، إيذان بالإعراض عنهم ، والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالكفر.
قوله : (أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ) تكتب أم موصولة بمن ، فتكون ميما واحدة متصلة بالنون ، وكذا يقال فيما تقدم. قوله : (إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ) أي أسباب رزقه التي ينشأ عنها. قوله : (أي المطر) أي والنبات وغير ذلك كباقي الأسباب. قوله : (بَلْ لَجُّوا) الخ ، اضراب انتقالي مبني على مقدر يستدعيه المقام ، كأنه قيل : إنهم لم يتأثروا بتلك المواعظ ولم يذعنوا. قوله : (بَلْ لَجُّوا) الخ. قوله : (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا) الخ ، هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ، توضيحا لحالهما ، وتحقيقا لشأنهما. قوله : (مُكِبًّا) اسم فاعل من أكب اللازم المطاوع لكب ، فكب من غير همزة ، متعدّ ، يقال : كبه الله ، وأما أكب فهو لازم ، أكب أي سقط ، وهذا على خلاف القاعدة المشهورة ، من أن الهمزة إذا دخلت على اللازم تصيره متعديا ، وهنا دخلت على المتعدي فصيرته لازما. قوله : (واقعا) (عَلى وَجْهِهِ) أي لكونه أعمى ماشيا على غير طريق ،
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
