تَعْفُوا) عنهم في تثبيطهم إياكم عن ذلك الخير معتلين بمشقة فراقكم عليهم (وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٤) (إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) لكم شاغلة عن أمور الآخرة (وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (١٥) فلا تفوتوه باشتغالكم بالأموال والأولاد (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ناسخة لقوله (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَاسْمَعُوا) ما أمرتم به سماع قبول (وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا) في الطاعة (خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ) خبر يكن مقدرة جواب الأمر (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ
____________________________________
النبي ، فمنعهم أزواجهم وأولادهم وقالوا : صبرنا على إسلامكم ، فلا صبر لنا على فراقكم ، فأطاعوهم وتركوا الهجرة ، وقيل نزلت في عوف بن مالك الأشجعي ، كان ذا أهل وولد ، فأراد أن يغزو ، فبكوا اليه ووقفوه وقالوا له : إلى من تدعنا؟ فرق عليهم وأقام عن الغزو ، وهذا معنى قول المفسر ، كالجهاد والهجرة ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فيدخل في ذلك جميع أنواع الطاعات ، فلا يطبع الأزواج ولا الأولاد في التكاسل عن أي طاعة كانت ، بل حقوق الله مقدمة على كل حق.
قوله : (وَإِنْ تَعْفُوا) الخ ، أي تتركوا عقابهم بترك الإنفاق عليهم ، وذلك أنه من تخلف عن الهجرة والجهاد ، بسبب منع أهله وأولاده قد تنبه بعد ذلك ، فرأى غيره من الصحابة قد سبقه للخير ، فندم وعزم على عقاب أهله وأولاده بترك الإنفاق عليهم ، فأنزل (وَإِنْ تَعْفُوا) الخ. قوله : (في تثبيطهم) أي شغلهم إياكم وتكسيلهم لكم. قوله : (إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) أي ابتلاء واختبار من الله لكم ، وهو أعلم بما في نفوسكم منكم ، لكن ليظهر في عالم الشهادة من يشغله ذلك عن الحق ، فيكون عليه نقمة ممن لا يشغله ، فيكون عليه نعمة ، وقدم المال لأن فتنته أشد ، ويكفي في فتنته قصة ثعلبة بن حاطب النازل فيه قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ) الآية ، قال الحسن : أدخل (مِنْ) التي للتبعيض في قوله : (إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ) الخ ، لأنهم كلهم ليسوا بأعداء بل البعض منهم ، ولم يدخلها في قوله : (إِنَّما أَمْوالُكُمْ) الخ لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما ، فمن رجع إلى الله تعالى ، ولم يلتفت إلى ماله وولده وجاهد نفسه فقد فاز ، ومن تتبع الشغل بالمال والولد وافتتن بهما فقد هلك.
قوله : (أَجْرٌ عَظِيمٌ) وهو الجنة. قوله : (ناسخة لقوله اتقوا الله حق تقاته) أي ومعناها : أن يطاع فلا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر ، ولذلك لما نزلت الآية قالت الصحابة : ومن يعرف قدر الله فيتقيه حق تقاته ، وضايق بعضهم نفسه في العبادة ، حتى تورمت قدماه من طول القيام ، فخفف الله عنهم فنزلت (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وما قاله المفسر أحد قولين ، وقيل إنها ليست ناسخة بل مبينة لها ، فآية (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) مجملة ، وآية (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) مفصلة لها ، غير أن الاستطاعة مختلفة باختلاف الأشخاص ، فكل يبذل وسعه وطاقته في طاعة ربه ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، فليست الاستطاعة في الناس سواء ، وبالجملة فالتكليف بهذه الآية لا بآية (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) سواء قلنا إنها منسوخة أو محكمة. قوله : (خبر يكن) أو مفعول لفعل محذوف تقديره يؤتكم خيرا وهو الأولى ، لأن حذف كان واسمها مع بقاء الخبر ، إنما يكثير بعد إن ولو. قوله : (جواب الأمر) أي وهو قوله : (وَأَنْفِقُوا.) قوله : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) الشح كراهة فعل الخير والمعروف ، وينشأ عن البخل وهو الإمساك.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
