تمييز (عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا) فاعل كبر (ما لا تَفْعَلُونَ) (٣) (إِنَّ اللهَ يُحِبُ) ينصر ويكرم (الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) حال أي صافّين (كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) (٤) ملزق بعضه إلى بعض ثابت (وَ) اذكر (إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي) قالوا إنه آدر أي منتفخ الخصية ، وليس كذلك ، وكذبوه (وَقَدْ) للتحقيق (تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ) الجملة حال ، والرسول يحترم (فَلَمَّا زاغُوا) عدلوا عن الحق بإيذائه (أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) أمالها عن الهدى على وفق ما قدره في الأزل (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (٥) الكافرين في علمه (وَ) اذكر (إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ) لم يقل يا قوم ، لأنه لم يكن له فيهم قرابة (إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما
____________________________________
أمثلة التعجب في مقام الذم. قوله : (ينصر ويكرم) هذا معنى المحبة في حق الله لأن حقيقتها وهو ميل القلب مستحيل على الله ، ومن لازم الميل الإكرام والنصر ، فأطلق على الله باعتبار هذا الكلام. قوله : (حال) أي من الواو في (يُقاتِلُونَ) وقوله : (أي صافين) فسره بمشتق لصحة الحالية ، ومفعوله محذوف أي أنفسهم. قوله : (ملزق بعضه إلى بعض) أي كأنه بني بالرصاص ، أو معنى المرصوص : الملتئم الأجزاء ، المستويها ، المحكمها ، ومن كان كذلك لا يهزم ولا يقام.
قوله : (وَإِذْ قالَ مُوسى) ذكر قصة موسى وعيسى اجمالا ، تسلية للنبي عليه الصلاة والسّلام ، ليصبر على أذى قومه ، وتذكيرا لتفاصيلها المتقدمة ، وابتدأ بقصة موسى لا سبقيته في الزمن. قوله : (قالوا إنه آدر) وسبب تهمتهم له بذلك ، ستره للعورة من صغره فلم يروه فعيبوه بذلك ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى) الآية. قوله : (وكذبوه) معطوف على (قالوا) أي عيبوه في جسمه ، وأنكروا ما جاء به وكذبوه. قوله : (وَقَدْ) (للتحقيق) أي تحقق علمهم برسالته ، وذلك يوجب تعظيمه ويمنع ايذاءه.
قوله : (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) مقتضى هذا التركيب ، أن زيغهم لا زاغة الله قلوبهم ، مع أن الأمر بالعكس ، لأن العبد لا يزيغ ، إلا إن أزاغه الله وصرفه عن الهدى. وأجيب : أنهم لما فعلوا سبب الزيغ ، وهو إيذاء موسى ، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى وقت إيذائهم ، على وفق ما أراده أزلا ، وقد أشار لذلك المفسر ، ويشهد لذلك قضية ابليس ، فإنه كانت مطيعا ، فلما خالف مولاه وعاند زاغ ، فأزاغ الله قلبه وطرده ، موافقة لما نجزه بإرادته أزلا ، فزيغ العبد سبب لا زاغة الله له ، باعتبار إظهاره القدرة لذلك الآن ، على وفق ما أراده الله ونجزه أزلا فليحفظ. قوله : (الكافرين في علمه) هذا جواب عما يقال : إن الله هدى كثيرا من الكفار بأن وفقهم للإسلام. وحاصل الجواب : أن من أسلم وهداه الله ، لم يكن في الأزل مكتوبا كافرا ، وأما من علم الله كفره في الأزل يهديه ، ولا بد من موته على الكفر ، ولو عاش طول عمره مسلما.
قوله : (وَإِذْ قالَ عِيسَى) معمول لمحذوف تقديره (اذكر) وإنما كررت قصة موسى وعيسى ، بل وقصة غيرهما ، لأن المقصود الاتعاظ ودوامه ، فإذا ذكر الشيء أولا وثانيا ، كان المقصود منه دوام تذكره والاعتبار به ، قرنا بعد قرن ، وجيلا بعد جيل. قوله : (لأنه لم يكن له فيهم قرابة) أي لأنه لا أب له فيهم ، وإن كانت أمه من أشرافهم. إن قلت : هو منهم باعتبار أمه ، قلت : النسب إنما هو من جهة
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
