قَرِيباً) بزمن قريب ، وهم أهل بدر من المشركين (ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ) عقوبته في الدنيا من القتل وغيره (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٥) مؤلم في الآخرة مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) (١٦) كذبا منه ورياء (فَكانَ عاقِبَتَهُما) أي الغاوي والمغوي ، وقرىء بالرفع اسم كان (أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) (١٧) الكافرين (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ) ليوم القيامة (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) (١٨) (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا
____________________________________
العجيبة التي تقع لهم من الاجلاء والذل ، كصفة أهل مكة فيما وقع لهم يوم بدر من الهزيمة والأسر والقتل ، فكل حصل له خزي الدنيا وعذاب الآخرة. قوله : (بزمن قريب) أي وبين وقعة بدر ووقعة بني النضير ، وهو سنة ونصف ، لما تقدم أن غزوة بني النضير كانت في ربيع الأول من السنة الرابعة ، وغزوة بدر كانت في رمضان من الثانية. قوله : (مثلهم أيضا) أي صفة بني النضير ، وقوله : (في سماعهم) بيان للمثل ، وقوله : (وتخلفهم) أي تخلف المنافقين عنهم ، وقوله : (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ) المراد به حقيقته لا شيطان الإنس ، وقوله : (إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ) بيان لمثل الشيطان ، وبالجملة فقد ضرب الله لهم مثلين : الأول بكفار مكة الذين اغتروا بعددهم وعددهم وحضروا بدرا فكانت الدائرة عليهم ، والثاني من حيث اغترارهم بكلام المنافقين لهم ومخالفتهم لهم ، بإغراء الشيطان لإنسان معين على الكفر ، حتى أوقعه فيه ومات عليه ثم تبرأ منه.
قوله : (إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ) المراد به برصيصا العابد ، لما روي عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «الانسان الذي قال له الشيطان راهب ، نزلت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها ، فزين له الشيطان ووطئها فحملت ثم قتلها خوفا من أن يفتضح ، فدل الشيطان قومها على موضعها ، فجاؤوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه ، فجاءه الشيطان فوعده إن سجد له أن ينجيه منه ، فسجد له فتبرأ منه» وقصته مبسوطة في الشبرخيتي على الأربعين ، في شرح الحديث الرابع ، فانظرها إن شئت. قوله : (كذبا منه ورياء) أي قوله هذا كذب منه ورياء ، لأنه لا يخاف الله أبدا. قوله : (أي الغاوي) اسم فاعل من غوى يغوي كرمى يرمي ، والمراد به الانسان الذي غره الشيطان وقوله : (والمغوي) اسم فاعل أيضا من أغواه يغويه وهو الشيطان. قوله : (وقرىء بالرفع) أي شاذا.
قوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ) الخ لما ذكر صفات كل من المنافقين واليهود ، وما آل اليه أمرهم ، وعظ المؤمنين بموعظة حسنة ، تحذيرا من أن يكونوا مثل من تقدم ذكرهم ، وذلك أوقع في النفس. قوله : (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ) اللام لام الأمر ، والحكمة في التنكير ، الاشارة إلى أن الأنفس الناظرة لمعادها المعتبرة بغيرها قليلة جدا عديمة المثيل. قوله : (ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ما) اسم موصول ، و (قَدَّمَتْ) صلته ، والمعنى ولتبحث وتحصل نفس العمل الذي قدمته لغد ، وذلك لأن جميع ما تعمله في الدنيا ترى جزاءه في القيامة ، فليختر العاقل أي الجزاءين ، لما ورد في الحديث : «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني». قوله : (ليوم القيامة) سمي غدا لقرب مجيئه ، قال تعالى : (وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ) فكأنه لقربه شبيه بما ليس بينه وبينه إلا ليلة واحدة ، والتنكير
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
