بما تقدّم فى حرمة المخالفة القطعيّة تفصيلا من حكم العقل بتنجّز التكليف المعلوم والاجتناب عن كلا المشتبهين والمنشأ هو قاعدة حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل الأخروىّ وهى بما اتّفقوا عليه ظاهرا خلافا لبعض المتاخّرين حيث خصّ الحكم بالضّرر المقطوع او المظنون وأمّا من جوّز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام فى المقام فهو ايضا يعترف بالحكم المذكور لكنّه يدّعى دلالة الاخبار على مدّعاه الكاشفة عن عدم احتمال الضرر فى ارتكاب البعض وتقرير دعواه أنّ اصالة الحلّ فى كلّ من المشتبهين جارية فى نفسها ومعتبرة لو لا المعارض لشمول قوله ع كلّ شيء طاهر حتّى تعلم انّه قذر وقوله ع كلّ شيء حلال حتّى تعرف انّه حرام بعينه لهما معا ولو لا وقوع المعارضة صحّ اجراء الاصل فى كلّ منهما بمقتضى العموم لكن لمّا علمنا اجمالا بكون احدهما لا بعينه حراما فهذا العلم الاجمالى يمنع عن العمل بالاصل فى كليهما وحيث انّ التّمانع انّما هو فى صورة اجراء الاصلين فالعقل يحكم بالتخيير لكفاية ذلك فى رفع التعارض ولا وجه لطرح كليهما ويجاب كما فى المتن بوجهين الاوّل حكومة قاعدة الاشتغال على قاعدة البراءة والثانى لزوم تساقط الأصلين بعد التّعارض وأورد بعض الفضلاء فى المقام بانّ قاعدة الاشتغال وحكم العقل بلزوم الاحتياط معلّق على عدم ورود الدليل على جواز ارتكاب البعض فاذن الشّارع وارد على حكم العقل المذكور وكيف يكون هذا الحكم مانعا عن اذن الشارع وهذا امر مفروغ عنه وقد ابتنى عليه المصنّف فى موارد والجواب أنّ عدم جريان اصالة الحلّ فى المقام ليس لمجرّد حكم العقل بالاحتياط بل لما أفاده رحمهالله في المقام الاوّل من انّ اذن الشّارع فى ارتكاب احد المشتبهين فى العلم الاجمالى انّما يجوز مع جعل الآخر بدلا عن الواقع وسيتّضح هذا فى جوابه عن التّمسك بالاخبار لجواز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام والمنع عنه ويصرّح بانّ الاخبار امّا ان لا يشمل شيئا من المشتبهين وامّا ان يشملهما جميعا وبالجملة انّ اطراف الكلام بيان للمرام قوله (فان قلت قوله كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف الحرام) لمّا كان الجواب الثانى عن السؤال السابق انّ مقتضى الاصل فى تعارض الاصلين هو الحكم بالتساقط لا التّخيير كانّه اراد ان يقول لا حاجة الى اثبات التّخيير من الخارج حتّى يمنع ويقال مرجع تعارض الأصلين هو التساقط لا التخيير بل نفس الحديث يدلّ بالالتزام على جواز البناء على التخيير والحكم بحليّة احد المشتبهين اذ لمّا بنينا على كون المشتبه هو الموضوع المحلّل يجوز البناء على كون جميع الشبهات البدويّة حلالا اذ احتمل خمريّتها بخلاف الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالى فانّ البناء على حليّة احدهما المستلزم للبناء على كونه خلّا ينافى البناء على كون الآخر ايضا خلّا بل لا بدّ حين البناء على كون احد المشتبهين موضوع الحلّ البناء على كون الآخر موضوع الحرمة وهذا معنى التّخيير الدالّ عليه الخبر التزاما والحاصل انّه اراد اثبات امرين الاوّل انّ هذا التّخيير يستفاد من نفس الحديث والثانى انّ هذه الدلالة انّما هى بالالتزام العقلى لا من جهة استعمال اللفظ فى التخيير حتّى يكون لفظ الحلال مستعملا فى معنيين التعيين والتخيير.
