الآية محكمة غير منسوخة.
* ع (١) * : وهذا هو الصواب ، وإنّما هي مخصّصة ، وذلك أنّ قوله تعالى : (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) : معناه : بما هو في وسعكم ، وتحت كسبكم ، وذلك استصحاب المعتقد ، والفكر فيه ، فلما كان اللفظ ممّا يمكن أن تدخل فيه الخواطر ، أشفق الصحابة ، والنبيّ صلىاللهعليهوسلم فبيّن الله تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى ، وخصّصها ، ونصّ على حكمه ؛ أنه لا يكلّف نفسا إلا وسعها ، والخواطر ليست هي ، ولا دفعها في الوسع ، بل هي أمر غالب ، وليست مما يكسب ، ولا يكتسب ، وكان في هذا البيان فرحهم ، وكشف كربهم ، وتأتي الآية محكمة لا نسخ فيها ، وممّا يدفع أمر النّسخ ؛ أن الآية خبر ، والأخبار يدخلها النّسخ ، فإن ذهب ذاهب إلى تقرير النّسخ ، فإنما يترتّب له في الحكم الذي لحق الصحابة ، حين فزعوا من الآية ، وذلك أن قول النبيّ صلىاللهعليهوسلم لهم : «قولوا سمعنا وأطعنا» ، يجيء منه : الأمر بأن يبنوا على هذا ، ويلتزموه ، وينتظروا لطف الله في الغفران ، فإذا قرّر هذا الحكم ، فصحيح وقوع النّسخ فيه ، وتشبه الآية حينئذ قوله تعالى : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الأنفال : ٦٥] ، فهذا لفظه الخبر ، ولكنّ معناه : التزموا هذا ، وابنوا عليه ، واصبروا بحسبه ، ثم نسخ ذلك بعد ذلك ، فهذه الآية في البقرة أشبه شيء بها.
وقوله تعالى : (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) ، يعني : من العصاة ، وتعلّق قوم بهذه الآية ممّن قال بجواز تكليف ما لا يطاق ، وقالوا : إن الله قد كلّفهم أمر الخواطر ، وذلك مما لا يطاق ، قال* ع (٢) * : وهذا غير بيّن ، وإنما كان أمر الخواطر تأويلا أوّله أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوسلم ولم يثبت تكليفا إلا على الوجه الذي ذكرناه من تقرير النبي صلىاللهعليهوسلم ، إنّه على ذلك ، قال الشيخ الوليّ العارف بالله ابن أبي جمرة : والخواطر عندهم ستّة يعني عند العلماء العارفين بالله : أولها الهمّة ، ثم اللّمّة ، ثم الخطرة ؛ وهذه الثلاث عندهم غير مؤاخذ بها ، ثم نيّة ، ثمّ إرادة ، ثم عزيمة ، وهذه الثلاث مؤاخذ بها. ا ه.
وقوله تعالى : (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ...) الآية : سبب هذه الآية أنّه لما نزلت : (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ) ، وأشفق منها النبيّ صلىاللهعليهوسلم وأصحابه ، ثم تقرّر الأمر على أن قالوا : (سَمِعْنا وَأَطَعْنا) ، ورجعوا إلى التضرّع والاستكانة ، مدحهم الله تعالى ، وأثنى عليهم في هذه الآية ، وقدّم ذلك بين يدي رفقه بهم ، فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح ، والثناء ، ورفع المشقّة في أمر الخواطر ، وهذه ثمرة الطّاعة والانقطاع إلى الله تعالى ، لا كما
__________________
(١) ينظر : «المحرر الوجيز» (١ / ٣٨٩)
(٢) ينظر : «المحرر الوجيز» (١ / ٣٩٠)
![تفسير الثعالبي [ ج ١ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4069_tafsir-alsaalabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
