وُسْعَها) (١) [البقرة : ٢٨٦] ؛ ونسخ بهذه تلك» هذا معنى الحديث الصحيح ، وله طرق من جهات ، واختلفت عباراته ، وتعاضدت عبارة هؤلاء القائلين بلفظة النّسخ في هذه النازلة.
وقال ابن عبّاس : لما شقّ ذلك عليهم ، فأنزل الله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ...) الآية ، فنسخت الوسوسة ، وثبت القول ، والفعل.
وقال آخرون : هذه الآية محكمة غير منسوخة ، والله محاسب خلقه على ما عملوه ، وأضمروه ، وأرادوه ، ويغفر للمؤمنين ، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق ؛ ورجّح الطبريّ (٢) أنّ
__________________
(١) أخرجه مسلم (١ / ١١٥ ـ ١١٦) كتاب «الإيمان» ، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق ، حديث (١٩٩ / ١٢٥) ، وأحمد (٢ / ٤١٢) ، والطبري في «تفسيره» (٦ / ٦٦١). كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : لما نزلت : (لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ) اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فأتوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم ثم بركوا على الركب ، فقالوا : أي رسول الله ، كلفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة ، والصيام ، والجهاد ، والصدقة ، وقد أنزلت عليك هذه الآية ، ولا نطيقها ، قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا؟ بل قولوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» قالوا : سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربنا وإليك المصير ، فلما اقترأها القوم ، ذلت بها ألسنتهم ، فأنزل الله في إثرها : (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى ، فأنزل الله (عزوجل) : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا) ، قال : نعم ، (رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا) قال : نعم ، (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) قال : نعم ، (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ).
والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١ / ٦٦١) ، وزاد نسبته إلى أبي داود في «ناسخه» ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.
وورد أيضا بنحو ذلك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : أخرجه مسلم (١ / ١١٦) ، كتاب «الإيمان» ، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق ، حديث (٢٠٠ / ١٢٥). والترمذي (٥ / ٢٠٦) ، كتاب «التفسير» ، باب سورة البقرة ، حديث (٢٩٩٢). وأحمد (١ / ٢٣٣). والنسائي في «الكبرى» (٦ / ٣٠٧) ، كتاب «التفسير» ، باب قوله تعالى : (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) ، حديث (١١٠٥٩) ، والطبري في «تفسيره» (٦ / ١٠٥) ، والحاكم (٢ / ٢٨٦) ، كلهم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ؛ ووافقه الذهبي.
وفيه نظر : فقد أخرجه مسلم كما تقدم في التخريج.
والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١ / ٦٦١) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر ، والبيهقي في «الأسماء والصفات».
(٢) ينظر : «الطبري» (٣ / ١٤٩)
![تفسير الثعالبي [ ج ١ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4069_tafsir-alsaalabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
