دفاع الله النّاس بعضهم ببعض.
قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ ...) الآية ، قال ابن جريج : هذه الآية تجمع الزكاة والتطوّع ، أي (١) : وجميع وجوه البرّ من سبيل وصلة رحم ، وهذا كلام صحيح ، لكن ما تقدّم من الآيات في ذكر القتال يرجّح أنّ هذه النفقة في سبيل الله ، ويقوّي ذلك قوله : (وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، أي : فكافحوهم بالقتال بالأنفس ، وإنفاق الأموال ممّا رزقناكم ، وهذا غاية الإنعام والتفضّل منه سبحانه ؛ أن رزق ، ثم ندب للنفقة ممّا به أنعم ، وحذّر سبحانه من الإمساك إلى أن يأتي يوم لا يمكن فيه بيع ، ولا شراء ، ولا استدراك نفقة في ذات الله تعالى ، إذ هي مبايعة إذ البيع فدية ؛ لأن المرء قد يشتري نفسه ، ومراده بماله ؛ فكأن معنى الآية أن لا فدية يوم القيامة ، ولا خلّة نافعة ، وأهل التقوى في ذلك اليوم بينهم خلّة ، ولكنّه غير محتاج إليها.
* ت* : وفي قوله : «غير محتاج إليها» قلق ، ولا شفاعة يومئذ إلا لمن أذن له سبحانه ، فالمنفيّ مثل حال الدّنيا من البيع ، والخلّة ، والشّفاعة ؛ بغير إذن المشفوع عنده ، قال عطاء بن دينار : الحمد لله الّذي قال : (وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، ولم يقل : والظّالمون هم الكافرون (٢).
(اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)(٢٥٥)
وقوله تعالى : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ...) الآية : هذه الآية سيّدة آي القرآن ، وورد في الحديث ؛ «أنّها تعدل ثلث القرآن» (٣) ، وورد «أنّ من قرأها أوّل ليله ، لم يقربه شيطان» ؛ وكذلك من قرأها أوّل نهاره (٤) ، وهي متضمّنة التوحيد والصّفات العلا ،
__________________
(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣ / ٥) برقم (٥٧٦٢) ، وذكره البغوي في «تفسيره» ، وذكره أيضا ابن عطية في «تفسيره» (١ / ٣٣٩) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (١ / ٥٧١) ، وغزاه لابن جرير ، وابن المنذر.
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣ / ٦) برقم (٥٧٦٤) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» ، (١ / ٣٤٠) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (١ / ٥٧١) ، وعزاه لابن جرير ، وابن أبي حاتم.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٩٦١) ، وأبو يعلى كما في «النكت الظراف» (١ / ٣٨) ، وابن حبان (٧٨٤). وأبو نعيم في «دلائل النبوة» (٢ / ٧٦٥) ، والحاكم (١ / ٥٦٢). والبيهقي في «الدلائل» (٧ / ١٠٩). والطبراني (٥١٤). كلهم من حديث أبي بن كعب ؛ أنه كان له جرن فيه تمر ، فكان ـ
![تفسير الثعالبي [ ج ١ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4069_tafsir-alsaalabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
