وكان طالوت رجلا دبّاغا (١) ، وقال السّدّيّ : سقّاء (٢) ، وكان من سبط «بنيامين» ، وكان سبطا لا نبوّة فيه ، ولا ملك ، ثم إن بني إسرائيل تعنّتوا ، وحادوا عن أمر الله ، وجروا على سننهم ، فقالوا : (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ) ، أي : لم يؤت مالا واسعا ، يجمع به نفوس الرجال ، ويغلب به أهل الأنفة.
قال* ع (٣) * : وترك القوم السّبب الأقوى ، وهو قدر الله وقضاؤه السّابق ، وأنه مالك الملك ؛ فاحتجّ عليهم نبيّهم بالحجّة القاطعة ، وبيّن لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت ببسطته في العلم ، وهو ملاك الإنسان ، والجسم الذي هو معينه في الحرب ، وعدّته عند اللقاء ، و «اصطفى» : مأخوذ من الصّفوة ، والجمهور على أنّ العلم في هذه الآية يراد به العموم في المعارف ، وقيل : المراد علم الحرب ، وأما جسمه ، فقال وهب بن منبّه : إن أطول رجل في بني إسرائيل كان يبلغ منكب طالوت (٤).
* ت* : قال أبو عبيد الهرويّ : قوله : (وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) ، أي : انبساطا وتوسّعا في العلم ، وطولا وتماما في الجسم. انتهى من شرحه لغريبي القرآن وأحاديث النبيّ عليهالسلام.
ولما علم نبيّهم ـ عليهالسلام ـ تعنّتهم وجدالهم ، تمّم كلامه بالقطع الذي لا اعتراض عليه ، وهو قوله : (وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ) ، وظاهر اللفظ أنه من قول نبيّهم ـ عليهالسلام ـ ، وذهب بعض المتأوّلين إلى أنّه من قول الله تعالى لمحمّد صلىاللهعليهوسلم ، والأول أظهر ، و (واسِعٌ) : معناه : وسعت قدرته ، وعلمه كلّ شيء ، وأما قول النبيّ لهم : (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ) ، فإن الطبريّ ذهب إلى أن بني إسرائيل تعنّتوا ، وقالوا لنبيّهم : وما آية ملك طالوت؟ وذلك على جهة سؤال الدّلالة على صدقه في قوله : إنّ الله بعثه.
قال* ع* : ويحتمل أنّ نبيّهم قال لهم ذلك على جهة التغليظ والتنبيه على هذه النعمة الّتي قرنها بملك طالوت ، دون تكذيب منهم لنبيّهم ، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية ، وتأويل الطبريّ أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة ؛ فإنّهم أهل تكذيب وتعنّت واعوجاج.
__________________
(١) ذكره البغوي في تفسيره «معالم التنزيل» (١ / ٢٢٨) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١ / ٣٣٠)
(٢) ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (١ / ٣١٤) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١ / ٣٣٢)
(٣) ينظر «المحرر الوجيز» (١ / ٣٣٢)
(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥ / ٣١٣) برقم (٥٦٥٢) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١ / ٣٣٢)
![تفسير الثعالبي [ ج ١ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4069_tafsir-alsaalabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
